يوسف عليه السلام لم يطغه الملك، ولم تبطره النعمة؛ بل لما كملت له الرياسة وتمت النعمة التفت إلى ربه متضرعاً بطلب الخاتمة الحسنة: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ}.
إعلان القاعدة الكونية والشرعية الخالدة: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ}، وبيان أن الله غني عن عباده وعن شكرهم.
المقصد الكلي الناظم لآيات سورة النحل هو: **«الاستدلال بفيض النعم الإلهية المشهودة والآلاء المبثوثة في الآفاق والأنفس على تفرد الله تعالى بالألوهية والربوبية والقدرة على البعث، وإلزام العباد بشكر المنعم بالتوحيد والاستقامة، ودحض الشرك ببيان عجز الشركاء المطلق عن الخلق والإنعام»**. فالسورة الكريمة سفر التوحيد الأعظم الذي يخاطب العقول والفطر عبر نافذة المشاهدات اليومية والنعم الملموسة؛ لتبين أن المنفرد بالخلق والرزق والإمداد وتدبير الأكوان هو وحده المستحق للعبادة والخضوع، وأن تسوية العاجز المخلوق بالخالق المنعم سفاهة عقلية وانتكاسة فطرية. ---
في قصة صاحب الجنتين؛ وعاصمها: إدراك زوال الدنيا وتذكر لقاء الله ونسبة النعمة إلى المنعم: {مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ}.
- إبراز "سلطان العلم والحكمة المسخرين لشكر المنعم والتمكين لدين التوحيد"، وبيان تمايز الحضارة الإيمانية القائمة على التسبيح والعدل، عن الحضارات المادية القائمة على الشرك والاستعلاء الأجوف.
ممثلاً في قارون الذي خرج على قومه في زينته ونسب النعمة إلى كفاءته الذاتية {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي}؛ فكان جزاؤه الخسف به وبداره الأرض عبرة لمن يغتر ببريق الدنيا الزائل.
الوفاء للأم في حملها الوهن على وهن وفصالها في عامين، وشكرهما مع شكر الله، مع وجوب عصيانهما بحزم وأدب إن أمرا بالشرك، ومصاحبتهما في الدنيا بالمعروف.
- التذكير بنعمة الله في صرف الأحزاب بالريح والجنود الغيبية.
سُخرت لداود الجبال والطير وألين له الحديد، وسُخرت لسليمان الريح وأسيل له عين القطر والجن يعملون بين يديه، ومع هذا الفيض من التمكين والملك والنبوة، كان التوجيه الإلهي الصارم: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا ۚ وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ}؛ فالشكر عمل وعبادة وجهاد لا مجرد اعتراف لساني.
حباهم الله بلدة طيبة وجنتين عن يمين وشمال وأمناً في الأسفار وقرى ظاهرة مباركة، فاستكبروا وبطروا وقالوا جهلاً وغروراً: {رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا}؛ فأرسل الله عليهم سيل العرم وخرب سدهم وبدلهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل، وجعلهم أحاديث ومزقهم كل ممزق؛ برهاناً على أن النعم تقيد بالشكر وتزول بالبطر والكفران.
الجمع بين سيرة النبيين الملكين (داود وسليمان) المبتلين بالنعمة والملك وسرعة إنابتهما واستغفارهما، وسيرة النبي الصابر (أيوب) المبتلى بالضر والشدة وحسن رجائه؛ لتقرير أن العبودية الخالصة والإنابة هي جوهر النبوة.
تبرئة النبي صلى الله عليه وسلم بنعمة ربه من الكهانة والجنون، ودحض زعمهم أنه شاعر يتربصون به ريب المنون.
{عَلَّمَ الْقُرْآنَ} على خلق الإنسان؛ لأن حياة الروح سابقة في الرتبة على حياة الجسد. - خلق الإنسان وتعليمه البيان والنطق والتعبير.
بيان كرامة القرآن ورفعته؛ فهو قرآن كريم، في كتاب مكنون محفوظ، لا يمسه إلا المطهرون من الملائكة الأبرار، تنزيل من رب العالمين. - تقريع المكذبين الذين يجعلون شكر الرزق تكذيباً بالمنعم.
التسبيح الكوني، والامتنان بالبعثة في الأميين ووظائفها الأربع، وامتداد الرسالة، وتقرير أن ذلك محض فضل.
تقرير أن الله بعث في قوم لا كتاب لهم رسولاً منهم، وأسند إليه أربع وظائف: تلاوة الآيات، وتزكية النفوس، وتعليم الكتاب، وتعليم الحكمة؛ وبيان ما كانوا عليه قبلها من ضلال مبين.
مقابلة الهيئتين، ونعمة الحواس، والاستعجال بالوعد، ثم أربع دعائم ختامية بصيغة {قُلْ}.
قصة مطولة في سبع عشرة آية تحكي قوماً منعوا حق المسكين من ثمر حديقتهم فأُهلك زرعهم في ليلة، ثم لاموا أنفسهم وأنابوا؛ وفيها إنذار لقريش أن نعمتهم لا تعصمهم، وأن النعمة إذا قُطع عنها حق الله ذهبت في لحظة.
بعد مشاهد الهلاك جاء مشهد النجاة في الجارية: {إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ}؛ فالسنّة الإلهية لا تعمل بالإهلاك وحده بل بالإهلاك والإنجاء معاً؛ وذلك أدعى لرجاء المؤمن وخوف المعرض. وعُلّل ذلك بغاية تربوية صريحة: {لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ}.
{إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا} تفسير نفسي عميق لموقف المستعجل؛ فالهلع جزع عند الشر ومنع عند الخير، وهو اضطراب في العلاقة بالزمن وبالمال معاً؛ فمن جزع لم يصبر على البلاء، ومن منع لم يشكر في الرخاء، ومن فقد الصبر والشكر فقد فقد طرفي الإيمان.
{وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ}؛ تسلية للنبي ﷺ بأن تولي أمرهم ليس من شأنه، وتنبيه إلى أن الترف والنعمة هما مادة التكذيب في أكثر الأمم.
نموذج المكذب المستكبر: نعمةٌ مبسوطة، وجحودٌ مقابل، ومصيرٌ في سقر.
انتقل السياق من التقرير الكلي إلى نموذج حي مفصَّل: رجل خلقه الله وحيداً فرداً لا مال له ولا ولد، ثم بسط له المال الممدود والبنين الشهود والجاه الممهَّد، فقابل النعمة بالعناد. وقد أطبق المفسرون على أن المراد به الوليد بن المغيرة المخزومي؛ ذكر ذلك ابن أبي حاتم في تفسيره عن سعيد بن جبير، ونصَّ عليه الطبري وابن كثير والقرطبي عند تفسير هذه الآيات. وعُرض في الآيات (18 - 25) سُلَّم مكابرته درجةً درجةً بـ"ثم": فكَّر، فقدَّر، فنظر، فعبس، فبسر، فأدبر، فاستكبر، فنطق بالكلمة الآثمة.
{إِنَّ هَٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا}؛ وهي أعلى ما يبلغه العامل: أن يُشكر سعيه ممن لا يحتاج إلى عمله.
براهين القدرة الإلهية والإنعام الكوني التساعي.
البرهان الكوني على القدرة على البعث والامتنان بالنعم.
{أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ}؛ ثم تفصيل صنع السماء برفع سمكها وتسويتها وإغطاش ليلها وإخراج ضحاها، وصنع الأرض بدحوها وإخراج مائها ومرعاها وإرساء جبالها؛ وختم ذلك بلفتة الامتنان: {مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ}.
الاستدلال بمائدة الطعام على القدرة والنعمة.
قُررت الحجة بثلاثة أفعال متعاقبة بالفاء: {خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ}، ثم بجملة رابعة: {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ}؛ فالبرهان مأخوذ من ذات المخاطب لا من خارجه؛ إذ لا يحتاج الإنسان في معرفة قدرة خالقه إلى أبعد من نفسه.
ختمت السورة بثلاثة أوامر تقابل المنن الثلاث ترتيباً ومعنى: {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ} في مقابلة {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ}، و{وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ} في مقابلة {وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَىٰ}، و{وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} في مقابلة {وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ}؛ فشكر النعمة إحسان إلى من كان فيها.
بدأت السورة بشرح الصدر لا بالنصر ولا بالتمكين؛ لأن أعظم ما يُعطاه الداعية سعة صدر تحتمل الأذى وتستوعب الخلق وتقوى على حمل الأمانة؛ وسائر العطايا فرع على هذا الأصل.
{وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ}؛ فرُدّ الكنود إلى علته؛ وهي شدة التعلق بالمال؛ فمن اشتد حبه للعاجل ثقل عليه بذله وضعف عنده تعظيم المنعم.
مقصد السورة العملي أن يُنقل الناظر إلى النعم من عين المقارنة والمغالبة إلى عين الأمانة والمسؤولية؛ فالنعمة عند الغافل عدد يُحصى، وعند المؤمن عهد يؤدى.
السورة في جملتها مقدمة لازمة لما بعدها؛ إذ لولا هذه الحماية لما بقيت لقريش رحلة ولا أمن ولا إيلاف؛ فجاءت الفيل تقرر النعمة، وجاءت قريش تطالب بحقها؛ فالسورتان حجة واحدة موصولة.
لم تحتجّ السورة على قريش بعذاب آجل ولا بمشهد أخروي؛ بل أخذتهم بما بين أيديهم من أمن الطريق وسعة العيش؛ وهذا أقرب مأخذ في مخاطبة من ينكر البعث؛ إذ لا سبيل له إلى جحد ما يعيشه كل يوم.
تقرير النعمة المُلزِمة.