حظر موالاة أعداء الدين، وبيان أوصاف جيل التمكين البديل {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ}.
{وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ}.
سألت علي بن أبي طالب: لمَ لمْ تكتب في براءة «بسم الله الرحمن الرحيم»؟ قال: «لِأَنَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَمَانٌ، وَبَرَاءَةٌ نَزَلَتْ بِالسَّيْفِ وَلَيْسَ فِيهَا أَمَانٌ».
أن البسملة تتضمن اسمي "الرحمن الرحيم" وهما عنوان السلام والأمان والرحمة والعهد، وسورة براءة نزلت بنبذ العهود إلى المشركين الناكثين، وإعلان السيف والمنابذة لمن حارب الله ورسوله، فلم يناسب أن يفتتح إعلان النفير والحرب والوعيد بآية الأمان والرحمة.
399) وأبو داود (رقم: 786) والترمذي وحسنه (رقم: 3086) عن ابن عباس قال: قلت لعثمان بن عفان: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني، وإلى براءة وهي من المئين، فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر «بسم الله الرحمن الرحيم» ووضعتموها في السبع الطوال؟ فقال عثمان: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَنْزِلُ عَلَيْهِ السُّوَرُ ذَوَاتُ العَدَدِ، فَكَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الشَّيْءُ دَعَا بَعْضَ مَنْ كَانَ يَكْتُبُ فَيَقُولُ: ضَعُوا هَؤُلَاءِ الآيَاتِ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا... وَكَانَتِ الأَنْفَالُ مِنْ أَوَائِلِ مَا نَزَلَ بِالمَدِينَةِ، وَكَانَتْ بَرَاءَةٌ مِنْ آخِرِ القُرْآنِ، وَكَانَتْ قِصَّتُهَا شَبِيهَةً بِقِصَّتِهَا، فَقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا أَنَّهَا مِنْهَا، فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قَرَنْتُ بَيْنَهُمَا وَلَمْ أَكْتُبْ بَيْنَهُمَا سَطْرَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَوَضَعْتُهَا فِي السَّبْعِ الطِّوَالِ».
- لا تعارض بين القولين؛ فالصحابة الكرام عند جمع المصحف اعتمدوا على التوقيف في عدم كتابتها موافقة للسماع المحفوظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، واتفقت حكمة الرسم مع حكمة المعنى والمقصد التنزيل؛ إذ كان جبريل عليه السلام لم ينزل بالبسملة مع مطلع براءة قط؛ لأن الله أراد أن تكون فاتحتها قاطعة لكل أمان للمشركين الناكثين.
استعراض الخصائص التزكوية والأخلاقية والتعبدية لعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً، ويبيتون لربهم سجداً وقياماً، ويجمعون بين الخوف والرجاء، والإنفاق المعتدل، والبراءة من الكبائر، وعمارة البيوت بالصلاح.
مواجهة الفواحش وفساد الأخلاق وتطفيف الكيل، والمفاصلة مع أقرب الناس حين ينحرفون.
أمر بالتقوى والتوكل، وافتتاح بنبذ موالاة الكفار والمنافقين.
{ذَٰلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ}.
عرض حال من يتولى قوماً غضب الله عليهم ويتخذ يمينه ستراً؛ وبيان أن هذا الستر لا يغني عنه شيئاً.
النهي عن موالاة العدو المحارب وكشف بطلان دوافعها.
كان الباعث عند حاطب رضي الله عنه ابتغاء يد يحمي بها أهله وقرابته بمكة، فجاء الجواب القرآني حاسماً: {لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ}؛ فقُطع الدافع من جذره بكشف بطلان الرهان عليه.
نقلت السورة القضية من حادثة إلى أصل ممتد، فعرضت براءة إبراهيم ومن معه من قومهم ومعبوداتهم، مع استثناء دقيق في مسألة الاستغفار لأبيه، وختمت بدعائهم بالتوكل والإنابة.
عقّبت السورة على الأمر بالبراءة برجاء إلهي: {عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً}؛ فقررت أن العداوة حال طارئة قابلة للزوال لا وصفاً أبدياً لازماً.
افتُتحت السورة بنداء التلطف والوصف الحالي، ثم بسبعة أوامر متتابعة على وزن واحد وروي واحد: القيام، والإنذار، وتكبير الرب، وتطهير الثياب، وهجر الرجز، وترك المنِّ الاستكثاري، والصبر لله. فهذه هي منظومة التكليف الأولى للنبوة: عقيدةٌ في القلب، وطهارةٌ في الظاهر، وبراءةٌ من الوثنية، ونزاهةٌ في الباعث، وثباتٌ على الطريق.
إعلان المفاصلة وترك كل فريق لما اختار.
ختمت السورة بـ{لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ}؛ فأثبتت أن البراءة من دين المخالف لا تستلزم البدء بالإيذاء ولا الإكراه على الدخول؛ فهي مفاصلة اعتقادية لا إعلان اعتداء.