{فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ}.
بيان الغاية العليا من القصص القرآني في قوله تعالى: {وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَٰذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ}.
إبراز موقف الصديق يوسف أمام أعظم فتنة تعصف بالشباب (فتنة امرأة العزيز وسيدات القصر)، وكيف أن الاعتصام بالله: {مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ}، والاستغاثة به: {وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ}، هما سبيل النجاة والعصمة.
في قصة أصحاب الكهف؛ وعاصمها: الإخلاص واللجوء إلى الله والاعتصام بالصحبة الصالحة.
في قصة صاحب الجنتين؛ وعاصمها: إدراك زوال الدنيا وتذكر لقاء الله ونسبة النعمة إلى المنعم: {مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ}.
في قصة موسى مع الخضر عليهما السلام؛ وعاصمها: التواضع في طلب العلم والتسليم لحكمة الله الخفية وتدبيره في أقدار الحياة.
في قصة ذي القرنين؛ وعاصمها: العدل، ونشر الصلاح، واستخدام القوة في إعانة الضعفاء ونسبة الإنجاز والفضل إلى رحمة الله: {هَٰذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي}.
التقرير الجازم في مطلع السورة بأن القرآن مصدر للحياة والنور والسعادة، وأن المشاق الدنيوية والابتلاءات التي تعترض الدعاة ليست شقاءً، بل هي اصطناع وتمحيص وسبيل للمجد الأبدي {مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ}.
بيان سنة الله في بشرية الرسل وأكلهم الطعام ومشيهم في الأسواق، وجعل الناس بعضهم لبعض فتنة للتمحيص.
تدور سورة العنكبوت حول قطب مركزي أصيل هو: **«سُنة الابتلاء والتمحيص، وحتمية الفتنة في مسيرة الإيمان، وتمييز معادن الصادقين من أدعياء النفاق، وتبيان وهن كل ملاذ يُلجأ إليه من دون الله كوهن بيت العنكبوت، مع بيان زاد الثبات والبشارة بهداية المجاهدين ومعية الله للمحسنين»**.
حين يمارس الوالدان أقسى الضغوط العاطفية والاجتماعية لإجبار الابن على الشرك، فيأتي التوجيه الرباني بالبر والإحسان الدنيوي المصحوب بالرفض الحاسم للمعصية: {وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا}.
سقوط ضعاف القلوب الذين يجعلون فتنة الناس كعذاب الله، فيتراجعون عند أدنى مساس بالأذى، فإذا جاء النصر ادعوا الشراكة والولاء: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ}.
حين يغري الكبراء الضعفاء باتباع طريقهم ويعدونهم بحمل أوزارهم: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ ۚ وَمَا هُم بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُم مِّنْ شَيْءٍ}.
اختبار حقيقة الانقياد في أتون حصار الأحزاب وغزوة الخندق.
- التذكير بنعمة الله في صرف الأحزاب بالريح والجنود الغيبية.
{مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ}.
تحذير المؤمنين من باب الفتنة، والأمر بالإنفاق قبل فوات الأوان، وحتمية الأجل.
فتنة الأزواج والأولاد والأموال، والوصايا الجامعة، وختم بالأسماء الحسنى.
تحذير من عداوة تصدر من أقرب قريب، مع فتح باب العفو والصفح، وتقرير أن المال والولد فتنة أي ابتلاء يُمتحن به العبد، وأن ما عند الله خير وأبقى.
امرأة نوح وامرأة لوط في جانب الخسران رغم قرب النسب من الصالحين، وامرأة فرعون ومريم ابنة عمران في جانب النجاة رغم بُعد المحيط أو انفراد المحنة؛ فتقرر أن العبرة بالعمل والاختيار لا بالانتساب.
{الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}؛ فالوجود كله محكوم بغاية، والمعيار في الابتلاء إحسان العمل لا كثرته، وهي الكلمة التي بُني عليها ميزان العمل في الإسلام كله.
انفردت الآية (31) بأن جعلت العدد المذكور محكَّاً تُمتحن به القلوب: فتنةً للكافرين، واستيقاناً لأهل الكتاب، وزيادة إيمان للمؤمنين، ورفعاً للريب، وسبباً لقول أهل المرض والكفر: {وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً ۙ وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا ۙ وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ ۙ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًا ۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ۚ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ} في جملتها المعترضة. ثم خُتمت بأصل جامع: أن جنود الرب لا يعلمها إلا هو، وأن هذا كله ذكرى للبشر.
{إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ}؛ فالنطفة الممتزجة أصل مادي مهين، والابتلاء غاية وجودية، والسمع والبصر أداتان مُنحتا لأجلها.
{إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ}، {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ}؛ فقوبل الحريق بالأنهار، والفتنة بالإيمان، والإصرار بالتوبة المعروضة.
أطول مقطع في السورة يعالج خطأً واحداً في التصور: أن الإنسان يقرأ سعة الرزق كرامة من الله ويقرأ ضيقه إهانة منه: {فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ}، {فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ}. فردّ الله عليه بـ{كَلَّا} القاطعة، وبيّن أن كليهما ابتلاء واختبار؛ فمقياس الكرامة ليس ما في اليد بل ما في القلب وما تعمله الجوارح.
السورة في جملتها تأسيس لقاعدة تربوية عامة: أن الإمساك الإلهي إعداد لا إعراض، وأن انقطاع المألوف من العطاء تهيئة لعطاء أكبر؛ وهي القاعدة التي يعيش بها كل مبتلى وكل داعية أصابته فترة.