﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ميزان العبودية الجامعة بين التعبد والتبرؤ من الحول والقوة.
٧): دعاء وتضرع ورجاء بالهداية وسلوك الصراط المستقيم وتجنب سبيل المغضوب عليهم والضالين، وهو حظ العبد ومطلبه.
- سورة البقرة هي سنام القرآن، وذروة بهائه، وفسطاطه العظيم؛ روى الترمذي في *جامعه* (ح ٢٨٧٨) بسند حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «لكل شيء سنام، وإن سنام القرآن سورة البقرة، وفيها آية هي سيدة آي القرآن؛ آية الكرسي». - وتسمى مع آل عمران «الزهراوين» لضيائهما ونورهما العظيم يوم القيامة؛ روى مسلم في *صحيحه* (كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل قراءة القرآن وسورة البقرة، ح ٨٠٤) عن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «يُؤْتَى بِالْقُرْآنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَهْلِهِ الَّذِينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ، تَقْدُمُهُ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَآلُ عِمْرَانَ، كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَوْ ظُلَّتَانِ سَوْدَاوَانِ بَيْنَهُمَا شَرْقٌ، أَوْ كَأَنَّهُمَا حِزْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ، تُحَاجَّانِ عَنْ صَاحِبِهِمَا». - وتطرد الشياطين من البيوت وتبطل السحر؛ روى مسلم في *صحيحه* (ح ٨٠٤) عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ (أي السحرة)».
{وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ}.
الوجل عند ذكر الله، زيادة الإيمان بسماع الآيات، التوكل المطلق، إقامة الصلاة، والإنفاق في سبيل الله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ... أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا}.
تصوير حقيقة الحياة الدنيا كغيث أخرج نبات الأرض فازينت ثم أتاها أمر الله ليلاً أو نهاراً فجعلها حصيداً كأن لم تغنَ بالأمس، والدعوة إلى دار السلام، وبيان مشهد الحشر الأكبر وتبرؤ الشركاء من عابديهم.
تمثل الآية (112): {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا}، مع قوله: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ} الميزان الدقيق للسلوك الفردي والجماعي؛ فالاستقامة تعني لزوم الصراط الحق بلا غلو ولا تقصير، وعدم المداهنة أو الركون لأهل الاستبداد والفساد.
مثل السيل والزبد، ومثل المعادن الموقد عليها لابتغاء حلية أو متاع؛ حيث يذهب الزبد جفاء ويبقى ما ينفع الناس في الأرض.
إيراد أعظم خطبة للمخادع الأكبر إبليس يوم القيامة حين يقضي الأمر فيتبرأ من أتباعه معلناً: {إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم}.
المقصد الكلي الناظم لآيات سورة الإسراء هو: **«تقرير التنزيه المطلق لله تعالى وتوحيده الخالص، وإعلان انتقال مركز القيادة الروحية والرسالية للبشرية إلى النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم وأمته، بعد استنفاد بني إسرائيل لفرص الاستخلاف بإفسادهم وعتوهم، وبيان دستور الأخلاق والتشريع القويم الذي تبتنى عليه النهضة الحضارية الراشدة بالقرآن العظيم الذي يهدي للتي هي أقوم»**. فالسورة الكريمة تؤسس لمعادلة الاستخلاف البشري؛ حيث تبدأ بمعجزة الإسراء الرابطة بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى إعلاناً بوراثة الأمة المحمدية للمقدسات وميراث النبوات، ثم تعقب بنبوءة الصراع مع الإفساد الإسرائيلي، وترسخ بعد ذلك منظومة من الأوامر والزواجر الأخلاقية والاجتماعية التي تمثل صمام الأمان لأي أمة تسعى للبقاء والعزة، وتبرز أن القرآن الكريم هو الملاذ العاصم من التيه والضلال. ---
في قصة ذي القرنين؛ وعاصمها: العدل، ونشر الصلاح، واستخدام القوة في إعانة الضعفاء ونسبة الإنجاز والفضل إلى رحمة الله: {هَٰذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي}.
مواجهة المنكرين الذين قالوا: {أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا}، وتذكيرهم بالنشأة الأولى من العدم {أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا}، وعرض مشاهد المحشر الأليم وإحضار الجاحدين حول جهنم جثياً.
استعراض قصة آدم عليه السلام وتحذيره من كيد إبليس، وبيان أن من اتبع هدى الله فلا يضل ولا يشقى، ومن أعرض عن ذكره فإن له معيشة ضنكاً ويحشر يوم القيامة أعمى.
تجريد الإحرام يشبه الكفن، وزحام عرفات يذكر بالحشر، ورمي الجمار والطواف يرسخان العبودية والتذلل لله وحده.
من أدق الحشرات طوعاً ولغة (النملة)، وأضعف الطير مهمة ورسالة (الهدهد)، إلى أعظم الممالك سلطاناً وجيوشاً (مملكة سليمان، ومملكة سبأ)، وصولاً إلى الأكوان والآفاق وتسيير الجبال كالسحاب.
{هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ}.
تدور سورة العنكبوت حول قطب مركزي أصيل هو: **«سُنة الابتلاء والتمحيص، وحتمية الفتنة في مسيرة الإيمان، وتمييز معادن الصادقين من أدعياء النفاق، وتبيان وهن كل ملاذ يُلجأ إليه من دون الله كوهن بيت العنكبوت، مع بيان زاد الثبات والبشارة بهداية المجاهدين ومعية الله للمحسنين»**.
{يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}، مما يقرر حجية الوحي الإلهي وعصمة الشريعة الخاتمة.
{وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ}.
تقديم مشهد حشري فريد يخلع القلوب؛ حين يحشر أعداء الله إلى النار يوزعون، حتى إذا ما جاؤوها شهدت عليهم أسماعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون؛ فينقلب الكافر معاتباً جسده: {وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ۖ قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ}؛ ليعلم الإنسان أن أجهزته وحواسه التي استعملها في معصية الله ستنقلب عليه شهود عدل تفضح سرائره.
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}.
مكاشفة الإنسان وسكرات الموت ومحكمة الحشر الكبرى*:
**المنظومة الأخلاقية والمعرفية** — الإعراض عن طلاب الدنيا، ميزان المغفرة، الكبائر واللمم
*المنظومة الأخلاقية والمعرفية** — الإعراض عن طلاب الدنيا، ميزان المغفرة، الكبائر واللمم
الشمس والقمر بحسبان دقيق، سجود الكائنات العلوية والسفلية (النجم والشجر يسجدان). - إقامة ميزان العدل في الأرض والنهي عن الطغيان والتطفيف. - بسط الأرض وتزويدها بالأرزاق والأقوات والفواكه والنخل والحب ذي العصف والريحان.
مشهد النور والسور وحوار الفريقين يوم القيامة.
عرضت السورة مشهداً فارقاً يوم القيامة يسعى فيه نور المؤمنين بين أيديهم وبأيمانهم، بينما يُضرب بين الفريقين سورٌ له باب؛ فالنور الذي اكتُسب في الدنيا بالإيمان والصدق هو رأس المال يوم لا ينفع مال.
قررت السورة أن غاية إرسال الرسل قيام الناس بالقسط، وأن القسط لا يقوم بالبيان وحده، بل يحتاج إلى ميزان يضبطه وقوة تحميه؛ فكان إنزال الحديد قريناً لإنزال الكتاب.
نهيٌ عن التناجي بالإثم والعدوان ومعصية الرسول، وأمرٌ بالتناجي بالبر والتقوى؛ فلم يُحرَّم أصل السرّ بل حُرّم مضمونه الفاسد.
ختم السورة بمعالجة ما وقع من انصراف بعض الناس عن الخطبة إلى تجارة قادمة ولهو؛ وتقرير الميزان: {قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ}.
{لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ}، {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا}؛ فارتفع الحرج عن المعسر ولم يضع حق المرأة والولد.
{تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا}، مع تصوير مشهد المؤمنين ونورهم يسعى بين أيديهم ودعائهم بإتمامه.
{الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}؛ فالوجود كله محكوم بغاية، والمعيار في الابتلاء إحسان العمل لا كثرته، وهي الكلمة التي بُني عليها ميزان العمل في الإسلام كله.
صورة قاصمة لمن استكبر عن السجود في الدنيا وهو قادر، فيُدعى إليه يوم القيامة فلا يستطيع؛ فيكون الحرمان من السجود عين العقوبة على تركه.
{فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} تكسر المقياس البشري للزمن؛ فما يعده المستعجل تأخيراً ليس عند الله إلا لحظة، وما يعدّه المؤمن انتظاراً طويلاً ليس في ميزان الآخرة إلا يسيراً. ثم صُرّح بهذا المعنى في {إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا}.
مقطع {يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ} إلى {ثُمَّ يُنجِيهِ} يرسم انهيار الكون ثم انهيار الروابط الإنسانية؛ فلا يسأل حميم حميماً مع أنه يبصره، وتتحول أعز الأنساب — البنون والزوجة والأخ والعشيرة — إلى فدية يودّ المجرم لو دفعها ونجا. وهو تصوير لإفلاس كل ما اعتمد عليه الإنسان في الدنيا.
{يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ}؛ فالذين كانوا يهرعون في الدنيا إلى أنصابهم مسرعين مختارين، يُساقون يوم القيامة مسرعين مقهورين، خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة. فالجزاء من جنس العمل حتى في هيئة المشي.