قال رسول الله ﷺ: «الحمد لله رب العالمين أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني والقرآن العظيم». - وتسمى «السبع المثاني» لكونها سبع آيات تثنى وتكرر في كل صلاة، وقيل لأنها استثنيت لهذه الأمة فلم تنزل على أمة قبلها؛ روى البخاري في *صحيحه* (كتاب التفسير، باب ما جاء في فاتحة الكتاب، ح ٤٤٧٤) عن أبي سعيد بن المعلى رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال له: «لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد... قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته».
«لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (رواه البخاري ح ٧٥٦ ومسلم ح ٣٩٤). - وقيل نزلت مرتين؛ مرة بمكة حين فرضت الصلاة، ومرة بالمدينة حين حُولت القبلة، تعظيماً لشأنها وفضلها.
- سورة البقرة هي سنام القرآن، وذروة بهائه، وفسطاطه العظيم؛ روى الترمذي في *جامعه* (ح ٢٨٧٨) بسند حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «لكل شيء سنام، وإن سنام القرآن سورة البقرة، وفيها آية هي سيدة آي القرآن؛ آية الكرسي». - وتسمى مع آل عمران «الزهراوين» لضيائهما ونورهما العظيم يوم القيامة؛ روى مسلم في *صحيحه* (كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل قراءة القرآن وسورة البقرة، ح ٨٠٤) عن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «يُؤْتَى بِالْقُرْآنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَهْلِهِ الَّذِينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ، تَقْدُمُهُ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَآلُ عِمْرَانَ، كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَوْ ظُلَّتَانِ سَوْدَاوَانِ بَيْنَهُمَا شَرْقٌ، أَوْ كَأَنَّهُمَا حِزْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ، تُحَاجَّانِ عَنْ صَاحِبِهِمَا». - وتطرد الشياطين من البيوت وتبطل السحر؛ روى مسلم في *صحيحه* (ح ٨٠٤) عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ (أي السحرة)».
- سورة البقرة سورة مدنية خالصة بإجماع السلف والمفسرين، وهي أول سورة نزلت بالمدينة المنورة بعد الهجرة النبوية الشريفة، واستمر نزول آياتها وأحكامها على امتداد العهد المدني كله؛ حتى كانت خاتمتها ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ آخر آية نزلت من السماء على الإطلاق قبل وفاة النبي ﷺ بليالٍ قلائل.
وتقرير أن الإيمان ينتفي عمن لم يرضَ بحكم الرسول صلى الله عليه وسلم ويسلم له تسليماً.
التوراة هدى ونور وحكم النبيين بها، والإنجيل هدى ونور وموعظة للمتقين.
{يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ}. ### ٥. المحور الخامس: المحاكمة العقدية لأهل الكتاب ومشهد القيامة الأكبر (الآيات ٦٧ - ١٢٠) - أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتبليغ المطلق مع ضمان العصمة الإلهية من الناس.
- أوسع عرض لقصة موسى عليه السلام مع فرعون والسحرة والمعجزات التسع، ثم مع بني إسرائيل في التيه وعبادة العجل وقصة أصحاب السبت والنتق، واستخراج البشارة الخاتمة بالنبي الأمي {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ}.
- ضرب المثل بالذي أوتي علم الآيات فانسلخ منها واتبع هواه فصار مثله كمثل الكلب؛ تنبيهاً لعلماء السوء والمفرطين في الأمانة العلمية.
{قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ}.
أن البسملة تتضمن اسمي "الرحمن الرحيم" وهما عنوان السلام والأمان والرحمة والعهد، وسورة براءة نزلت بنبذ العهود إلى المشركين الناكثين، وإعلان السيف والمنابذة لمن حارب الله ورسوله، فلم يناسب أن يفتتح إعلان النفير والحرب والوعيد بآية الأمان والرحمة.
- لا تعارض بين القولين؛ فالصحابة الكرام عند جمع المصحف اعتمدوا على التوقيف في عدم كتابتها موافقة للسماع المحفوظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، واتفقت حكمة الرسم مع حكمة المعنى والمقصد التنزيل؛ إذ كان جبريل عليه السلام لم ينزل بالبسملة مع مطلع براءة قط؛ لأن الله أراد أن تكون فاتحتها قاطعة لكل أمان للمشركين الناكثين.
الرد الصارم على شبهات المشركين الذين قالوا: {ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَٰذَا أَوْ بَدِّلْهُ}، وتحديهم بالإتيان بسورة من مثله، وإثبات أن النبي ﷺ لا يملك تبديله من تلقاء نفسه، بل هو وحي معجز من لدن حكيم عليم.
دعوة النبي ﷺ والمؤمنين إلى الثبات على الحق، والتوكل على الله، والصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين، والبشارة لأولياء الله بأنه {لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ۚ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ۚ لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ}.
إبراز أن الكتب الإلهية إنما أنزلت لتخرج الناس من ظلمات التيه والشرك إلى نور الهداية والعدل، وأن من حكمة الله ورحمته إرسال كل نبي بلسان قومه ليبين لهم الحجة ويفصل لهم المحجة.
تنزيل السكينة على فؤاده وتطمين خاطره بأن الله كفاه المستهزئين وأعطاه السبع المثاني والقرآن العظيم.
المقصد الكلي الناظم لآيات سورة الإسراء هو: **«تقرير التنزيه المطلق لله تعالى وتوحيده الخالص، وإعلان انتقال مركز القيادة الروحية والرسالية للبشرية إلى النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم وأمته، بعد استنفاد بني إسرائيل لفرص الاستخلاف بإفسادهم وعتوهم، وبيان دستور الأخلاق والتشريع القويم الذي تبتنى عليه النهضة الحضارية الراشدة بالقرآن العظيم الذي يهدي للتي هي أقوم»**. فالسورة الكريمة تؤسس لمعادلة الاستخلاف البشري؛ حيث تبدأ بمعجزة الإسراء الرابطة بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى إعلاناً بوراثة الأمة المحمدية للمقدسات وميراث النبوات، ثم تعقب بنبوءة الصراع مع الإفساد الإسرائيلي، وترسخ بعد ذلك منظومة من الأوامر والزواجر الأخلاقية والاجتماعية التي تمثل صمام الأمان لأي أمة تسعى للبقاء والعزة، وتبرز أن القرآن الكريم هو الملاذ العاصم من التيه والضلال. ---
اصطفاء مريم البتول، وتجلي القدرة في النفخ من الروح الإلهي لتلد نبياً من غير فحل، وإنطاق الرضيع في المهد بكلمة التوحيد والعبودية {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا}، وقطع دابر الغلو والشرك.
عرض نماذج من سيرة إبراهيم الخليل عليه السلام ومحاجته لأبيه بالرفق والحكمة ثم مفارقته للأوثان، والثناء على موسى الكليم، وإسماعيل صادق الوعد، وإدريس الرفيع المقام، وبيان انحدار الخلف من بعدهم بإضاعة الصلاة واتباع الشهوات، وفتح باب التوبة والرحمة.
التقرير الجازم في مطلع السورة بأن القرآن مصدر للحياة والنور والسعادة، وأن المشاق الدنيوية والابتلاءات التي تعترض الدعاة ليست شقاءً، بل هي اصطناع وتمحيص وسبيل للمجد الأبدي {مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ}.
استعراض قصة آدم عليه السلام وتحذيره من كيد إبليس، وبيان أن من اتبع هدى الله فلا يضل ولا يشقى، ومن أعرض عن ذكره فإن له معيشة ضنكاً ويحشر يوم القيامة أعمى.
تقرير أن جميع الرسل بعثوا بكلمة التوحيد الواحدة: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ}.
{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}.
عرض حركات الرسل وأممهم (نوح في مواجهة ملئه وبناء الفلك والنجاة، هود وقومه والصيحة التي جعلتهم غثاءً، موسى وهارون في مواجهة استكبار فرعون وملئه، وعيسى وأمه وآية الربوة ذات القرار والمعين)، وتقرير الأصل الإلهي الجامع: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ۖ إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ}.
كشف اغترار أهل الكفر بما يمدون به من مال وبنين وظنهم أن ذلك مسارعة في الخيرات، وبيان أن المستكبرين تتقلب قلوبهم في غمرة وجهالة، وأنهم عند حلول العذاب يجهرون بالاستغاثة فلا ناصر لهم؛ ودحض شبهاتهم المتناقضة حول شخص النبي صلى الله عليه وسلم وادعاء الجنة، وإفحامهم بالأسئلة الكونية البديهية (لمن الأرض؟ من رب السماوات السبع؟ من بيده ملكوت كل شيء؟).
فضح طوايا المنافقين في التهرب من حكم الشرع، ومدح إذعان المؤمنين: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ... أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا}، وتقرير وعد الاستخلاف والتمكين والأمن لمن عبد الله وأطاع رسوله.
كشف شبهات المشركين في دعوى الافتراء، وبيان حكمة التنجيم لتثبيت قلب النبي ﷺ وتأييده بالحق المبين.
بيان سنة الله في بشرية الرسل وأكلهم الطعام ومشيهم في الأسواق، وجعل الناس بعضهم لبعض فتنة للتمحيص.
{لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ}؛ لبيان أن مهمته البلاغ المبين وليس إجبار القلوب على الإيمان.
من أدق الحشرات طوعاً ولغة (النملة)، وأضعف الطير مهمة ورسالة (الهدهد)، إلى أعظم الممالك سلطاناً وجيوشاً (مملكة سليمان، ومملكة سبأ)، وصولاً إلى الأكوان والآفاق وتسيير الجبال كالسحاب.
نزلت السورة والصحابة يسامون سوء العذاب من صناديد قريش؛ فجاءت السورة تسلية لهم بأن ضعفكم اليوم شبيه بضعف بني إسرائيل تحت بطش فرعون، وأن وعد الله بالنصر والعودة والتمكين قادم لا محالة {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ}.
تكرار نفي المشاهدة المادية عن النبي ﷺ {وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ}، {وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ}، {وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ}؛ فإخباره بهذه الدقائق والتفاصيل النفسية والكونية برهان قاطع على أنه وحي معصوم من رب العالمين.
مواجهة الفواحش وفساد الأخلاق وتطفيف الكيل، والمفاصلة مع أقرب الناس حين ينحرفون.