٤): ثناء وتمجيد وتعظيم للذات الإلهية بأسماء الجلال والجمال (الله، الرب، الرحمن، الرحيم، المالك)، وهو حق الرب جل وعلا.
سألت علي بن أبي طالب: لمَ لمْ تكتب في براءة «بسم الله الرحمن الرحيم»؟ قال: «لِأَنَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَمَانٌ، وَبَرَاءَةٌ نَزَلَتْ بِالسَّيْفِ وَلَيْسَ فِيهَا أَمَانٌ».
أن البسملة تتضمن اسمي "الرحمن الرحيم" وهما عنوان السلام والأمان والرحمة والعهد، وسورة براءة نزلت بنبذ العهود إلى المشركين الناكثين، وإعلان السيف والمنابذة لمن حارب الله ورسوله، فلم يناسب أن يفتتح إعلان النفير والحرب والوعيد بآية الأمان والرحمة.
399) وأبو داود (رقم: 786) والترمذي وحسنه (رقم: 3086) عن ابن عباس قال: قلت لعثمان بن عفان: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني، وإلى براءة وهي من المئين، فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر «بسم الله الرحمن الرحيم» ووضعتموها في السبع الطوال؟ فقال عثمان: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَنْزِلُ عَلَيْهِ السُّوَرُ ذَوَاتُ العَدَدِ، فَكَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الشَّيْءُ دَعَا بَعْضَ مَنْ كَانَ يَكْتُبُ فَيَقُولُ: ضَعُوا هَؤُلَاءِ الآيَاتِ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا... وَكَانَتِ الأَنْفَالُ مِنْ أَوَائِلِ مَا نَزَلَ بِالمَدِينَةِ، وَكَانَتْ بَرَاءَةٌ مِنْ آخِرِ القُرْآنِ، وَكَانَتْ قِصَّتُهَا شَبِيهَةً بِقِصَّتِهَا، فَقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا أَنَّهَا مِنْهَا، فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قَرَنْتُ بَيْنَهُمَا وَلَمْ أَكْتُبْ بَيْنَهُمَا سَطْرَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَوَضَعْتُهَا فِي السَّبْعِ الطِّوَالِ».
في قصة ذي القرنين؛ وعاصمها: العدل، ونشر الصلاح، واستخدام القوة في إعانة الضعفاء ونسبة الإنجاز والفضل إلى رحمة الله: {هَٰذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي}.
الافتتاح بذكر رحمة الله بعبده زكريا عليه السلام، وهبته يحيى على الكبر وعقم الزوجة، تجسيداً للقدرة القاهرة التي تفلق نوى الأسباب وتستجيب لتضرع العبد الخفي.
عرض نماذج من سيرة إبراهيم الخليل عليه السلام ومحاجته لأبيه بالرفق والحكمة ثم مفارقته للأوثان، والثناء على موسى الكليم، وإسماعيل صادق الوعد، وإدريس الرفيع المقام، وبيان انحدار الخلف من بعدهم بإضاعة الصلاة واتباع الشهوات، وفتح باب التوبة والرحمة.
إبطال أعظم فرية افتراها الضالون على الذات الإلهية {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا}، وتصوير ارتعاد السماوات والأرض والجبال من هذا القول المنكر، وتأكيد أن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً، وخاتمة السورة بالبشارة للمؤمنين بفيض الود والرحمة والإنذار للقوم اللد.
استعراض الخصائص التزكوية والأخلاقية والتعبدية لعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً، ويبيتون لربهم سجداً وقياماً، ويجمعون بين الخوف والرجاء، والإنفاق المعتدل، والبراءة من الكبائر، وعمارة البيوت بالصلاح.
بعد الأمر بالتسبيح والحمد في طرفي النهار والأوقات البينية، تفتح السورة سلسلة الآيات الكبرى المصدرة بقوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ}: - خلق الإنسان من تراب وانتشاره في الأرض. - خلق الأزواج والسكينة والمودة والرحمة الأسرية. - خلق السماوات والأرض واختلاف الألسن والألوان كآيات لأولي النهى والعالمين. - آية النوم بالليل والنهار وابتغاء فضل الله. - آية البرق خوفاً وطمعاً وإنزال الماء وإحياء الأرض بعد موتها. - آية قيام السماء والأرض بأمره، ودعوة البعث بالنفخة والخروج من الأرض.
{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}؛ فليست رسالته مقصورة على قومه أو زمانه، بل هي هداية تامة للخلق أجمعين.
ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق بالخيرات بإذن الله، مع بقاء أصل الإيمان والنجاة لجميع أصناف المصطفين برحمة الله وفضله.
{إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ}، وبيان أن المنتفع الحقيقي بالنذارة هو من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب.
{مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا}، وتمايز الصفوف التام بين أصحاب الجنة المتنعمين في ظلال الكرامة وسلام من رب رحيم، وبين المجرمين المنبوذين المفضوحين بشهادة أيديهم وأرجلهم.
النداء الرباني المفعم بالرحمة: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}.
افتتاح السورة بالتقرير الجازم أن هذا القرآن تنزيل من الرحمن الرحيم؛ كتاب مبين مفصل الآيات، عربي اللسان، واضح الدلالة، جامع للبشارة والنذارة؛ ومع ذلك استكبر المشركون ووضعوا بينه وبين قلوبهم موانع نفسية مفتعلة: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ}.
استعراض نماذج تاريخية حية تبدأ بإكرام إبراهيم عليه السلام لملائكة الرحمن وبشارته بالولد العليم، ثم حلول العذاب الحاصب بقوم لوط الفاسقين، وعقاب فرعون وجنوده في اليم، وإبادة عاد بالريح العقيم، واستئصال ثمود بالصاعقة، وإغراق قوم نوح؛ لبيان أن سنن الاستدراج والإهلاك لا تحابي مجرماً.
بسط مشاهد الإكرام في الجنات والعيون والسرر المصفوفة والحور العين، وتقرير القاعدة الربانية الرحيمة في إلحاق الذرية الصالحة بالآباء في الدرجات العلى إكراماً لهم دون نقص من أجورهم.
العتاب الرحيم {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا} مقرونٌ بالتحذير من مصير أهل الكتاب: {فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ}؛ ثم أعقبه بالبشارة بأن القلب القاسي يحيا كما تحيا الأرض الميتة: {اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا}.
ختمت السورة بدعائه لنفسه ووالديه ولمن دخل بيته مؤمناً وللمؤمنين والمؤمنات إلى يوم القيامة؛ فكان آخر ما نطق به في السورة استغفاراً لا لعناً، وسعةَ رحمةٍ لا ضيقَ صدر.
ختم السورة بأطول آية فيها ترفع الحرج وتردّ الأمر إلى الميسور: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ}، مع تعليل التخفيف بأعذار الأمة من مرض وسفر وجهاد، ثم إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والقرض الحسن والاستغفار.
{إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَا وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا}؛ آية واحدة موجزة قابلها في المقابل ثمانية عشر آية في نعيم الأبرار؛ وهذه القسمة نفسها رسالة في سبق الرحمة للغضب.
تشخيص داء المكذبين وتقرير القدرة والمشيئة والرحمة.
تصوير مفاز المتقين بالحدائق والأعناب، والكواعب الأتراب، والكؤوس الدهاق، والنعيم الخالص من اللغو والكذاب، جزاءً وعطاءً حساباً من رب السموات والأرض الرحمن.
تصوير قيام الروح والملائكة صفاً خاشعين لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صواباً، وتوجيه الإنذار الأخير للبشرية من ذلك العذاب القريب حين ينظر المرء ما قدمت يداه ويصرخ الكافر من فرط الهول والحسرة: {يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا}.
ختمت السورة بمنع الماعون؛ وهو أهون ما يُبذل وأيسر ما يُعار، ليُعلم أن من ضنّ بالتافه فهو بالجليل أضنّ، وأن شحّ النفس عن اليسير دليل على خواء القلب من الرحمة والإيمان.