مِّنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ
مِّنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ
تنتقل الآية من وصف العذاب إلى بيان مصدره وعظمة مُنزِله: {مِّنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثالثة من سورة المعارج، أن أهل التأويل قالوا في {ذِي الْمَعَارِجِ} أقوالاً متقاربة: فروى عن ابن عباس أن المعارج هي الدرجات؛ أي ذي الدرجات والفواضل والنعم؛ وعن قتادة: ذي الفواضل والنعم؛ وعن مجاهد: المعارج هي معارج الملائكة تعرج فيها إلى الله. ورجّح أن الأولى بالصواب أن يقال: هي مصاعد الملائكة التي تعرج فيها؛ لأن الآية التالية نصّت على ذلك: {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ}، فالسياق نفسه فسّر اللفظ. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن المراد ذو العظمة والكبرياء والجلال والسلطان، وأن المعارج هي مصاعد الملائكة. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أنه قيل: المعارج مراتب الملائكة ومنازلهم في القرب؛ وقيل: هي معارج السماء ودرجاتها. وبيّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الثالثة من السورة، أن هذا الوصف اختير هنا بعينه لمناسبة مقام الاستعجال؛ فإن من كانت له هذه المعارج لا يُقاس أمره بمقاييس الأرض ولا يُستعجل بحساب الناس.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية هي حجر الأساس في جواب السورة؛ فالسائل استعجل العذاب استخفافاً بمن أنذر به، فجاء الجواب برفع الأمر إلى صاحبه: {مِّنَ اللَّهِ}. ثم زِيد الوصف {ذِي الْمَعَارِجِ} تمهيداً للآية الرابعة التي تفصّل ذلك العروج وزمنه؛ فبين الآيتين تلازم بيان وتفسير. كما أن ذكر «المعارج» قبل ذكر «خمسين ألف سنة» يهيئ الذهن لتصور بُعد المسافة بين العبد وربه؛ فمن كان بينه وبين مقام الفصل هذا الامتداد كيف يُستعجل حكمه بمقياس ساعة أو يوم؟