وَالَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ
وَالَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ
تأتي خصلة الخوف المصاحب للتصديق: {وَالَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية السابعة والعشرين من سورة المعارج، أن المعنى: خائفون وجلون من عذاب ربهم أن ينالهم، وإن كانوا مجتهدين في الطاعة. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أنهم خائفون وجلون مع إحسانهم؛ ونظير هذا قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ}. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن «الإشفاق» خوف مع تعظيم واحتياط؛ فليس خوفاً مجرداً بل خوفاً يبعث على العمل. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية السابعة والعشرين، إلى أن إضافة العذاب إلى {رَبِّهِم} دون لفظ الجلالة مقصودة؛ فذكر وصف الربوبية في مقام الخوف يجمع بين الهيبة والرجاء؛ إذ الرب هو المربي المنعم.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الخصلة عقب التصديق بيوم الدين ترتيباً محكماً؛ فالتصديق علم، والإشفاق أثر ذلك العلم في القلب. ثم أُتبعت بالآية الثامنة والعشرين {إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ} تعليلاً لهذا الإشفاق؛ فبُني المقطع على ثلاث درجات: تصديق، فإشفاق، فتعليل. وفي مقابلة هذا كله ما وُصف به المكذبون في أول السورة من استعجال العذاب؛ فبين من يستعجل العذاب استهزاءً ومن يشفق منه إيماناً بون بعيد؛ وهذا من أدق المقابلات في بناء السورة.