تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّىٰ
تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّىٰ
تُنسب إلى النار وظيفة النداء: {تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّىٰ}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية السابعة عشرة من سورة المعارج، أن أهل التأويل قالوا في معنى دعائها أقوالاً: فقيل تدعوهم بأسمائهم؛ وقيل تدعوهم إليها فتلتقطهم كما يلتقط الطير الحب؛ وقيل الدعاء هنا كناية عن إحضارهم وجذبهم إليها. وروى عن قتادة أن معناه: تدعو من أدبر عن كتاب الله وتولى عن طاعته. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن النار تنادي أهلها الذين أدبروا عن الحق وتولوا عنه، تناديهم بلسان الحال أو المقال. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن المراد بـ{أَدْبَرَ} أعرض عن الإيمان، وبـ{تَوَلَّىٰ} أعرض عن الطاعة؛ فالأول في الاعتقاد والثاني في العمل. وأشار السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذه الآيات، إلى أن الجزاء من جنس العمل؛ فلما أدبروا عن دعوة الحق دعتهم النار.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء هذا الوصف مكملاً للصورة التي بدأت بالتسمية والفعل؛ فالنار مسماة {لَظَىٰ}، فاعلة {نَزَّاعَةً}، مريدة {تَدْعُوا}. ثم بيّنت الآيتان السابعة عشرة والثامنة عشرة صنفي المدعوين: من أدبر وتولى، ومن جمع فأوعى؛ فالأول إعراض عن الحق، والثاني انكباب على المال. وهذا يمهد لما سيأتي في الآيات (19 - 21) من تشخيص الهلع؛ إذ إن الإدبار عن الحق وجمع المال هما ثمرة الجزع والمنع اللذين هما شعبتا الهلع؛ فتلتحم أجزاء السورة التحاماً محكماً.