وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا
وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا
ينتقل المشهد من الكون إلى العلاقات: {وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية العاشرة من سورة المعارج، أن المعنى: لا يسأل قريب قريباً عن شأنه ولا عن حاله لاشتغال كل امرئ بنفسه؛ وروى عن قتادة قوله: لا يسأل الرجل أخاه ولا أباه ولا قرابته وقد أبصره. وذكر وجهاً آخر في المعنى: لا يسأل حميم حميماً أن يحمل عنه من ذنوبه شيئاً؛ لعلمه أنه لا يُحمل عنه. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن المراد أن كل امرئ مشغول بنفسه لا يلتفت إلى غيره وإن كان أقرب الناس إليه. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن نفي السؤال هنا في موطن من مواطن ذلك اليوم؛ إذ يوم القيامة مواطن، ففي بعضها يتساءلون وفي بعضها لا يتساءلون. وأوضح السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذه الآيات، أن الشدة إذا اشتدت انقطعت العلائق وصار كل أحد لا يعنيه إلا خلاص نفسه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تأتي الآية نتيجة طبيعية للمشهد الكوني قبلها؛ فإذا ذابت السماء وتطايرت الجبال فما ظنك بالإنسان الضعيف؟ وهي مقدمة لما بعدها من مشهد الافتداء؛ إذ ذكرت أولاً انقطاع السؤال، ثم بيّنت في الآية التالية أن هذا الانقطاع ليس لغياب الرؤية بل مع حضورها: {يُبَصَّرُونَهُمْ}؛ ثم فصّلت من الآية الحادية عشرة إلى الرابعة عشرة صور الفدية التي يتمناها المجرم. فالنظم يسير: انقطاع السؤال، ثم إثبات الرؤية، ثم تمني الفداء، ثم الردع بـ{كَلَّا}. وهذا ترتيب يهدم دعائم الاتكال على القرابات درجة درجة.