إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا
إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا
تنتقل السورة إلى تشخيص الجذر النفسي لكل ما تقدم: {إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية التاسعة عشرة من سورة المعارج، أن أهل التأويل اختلفوا في تفسير «الهلوع»: فروى عن ابن عباس أنه الحريص؛ وعن قتادة أنه الجزوع؛ وعن الحسن أنه الشره الشحيح؛ ثم رجّح أن الله فسّره بنفسه في الآيتين بعده: {إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا}؛ فلا حاجة إلى غير ذلك. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن الله فسّر الهلوع بما بعده، وأن هذا من أحسن ما يُفسَّر به اللفظ. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن هذا من مواضع تفسير القرآن بالقرآن، وأن العرب كانت تعرف «الهلع» بمعنى شدة الجزع وقلة الصبر. وأوضح السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذه الآيات، أن هذا وصف للإنسان من حيث طبعه وجبلته، وأن الله استثنى منه المصلين لأن الإيمان والعمل يخرجانه من مقتضى طبعه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية مفصل السورة وحلقة الوصل بين نصفيها؛ فما تقدم كان تصويراً لمواقف المكذبين: استعجالهم، واستبعادهم، وإدبارهم، وجمعهم؛ فجاءت هذه الآية تكشف الجذر الذي انبثقت منه تلك المواقف كلها: الهلع. ثم بُني عليها ما بعدها؛ فالآيتان (20 و21) تفسير للهلع، والآية (22) استثناء يفتح باب العلاج، والآيات (23 - 35) تفصيل لخصال الناجين. فالسورة تنتقل من وصف الداء إلى وصف الدواء بانتقال محكم لا فجوة فيه؛ وهذا من أوضح شواهد وحدة البناء في السورة.