لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ
لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ
يُبيَّن مصرف ذلك الحق: {لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الخامسة والعشرين من سورة المعارج، أقوال السلف في «المحروم»: فروى عن ابن عباس أنه المحارَف الذي لا يكاد يصيب خيراً في تجارته وكسبه؛ وعن قتادة أنه المتعفف الذي لا يسأل الناس؛ وعن الزهري أنه الذي أصابته جائحة فذهب ماله؛ وعن بعضهم أنه الذي لا سهم له في الفيء. ثم رجّح أن الجامع بينها أنه المحروم من سعة الرزق مع تركه السؤال. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن السائل هو الذي يتعرض ويسأل، والمحروم هو المتعفف الذي لا يسأل فيُحرم بسبب تعففه. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن أصل «المحروم» من الحرمان وهو المنع؛ فسُمي بذلك لأنه مُنع الرزق أو مُنع العطاء. وأشار السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذه الآيات، إلى أن الجمع بين الصنفين يفيد استيعاب المحتاجين على اختلاف حالهم في السؤال وتركه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت الآية بياناً لمصرف الحق المذكور في الآية قبلها؛ فتكاملت الآيتان: الأولى قررت وجود الحق، والثانية عيّنت مستحقه. وموقعها من السورة يقابل ما جاء في وصف أهل النار {وَجَمَعَ فَأَوْعَىٰ}؛ فهناك مال حُبس في الأوعية، وهنا مال جرى إلى أهله. ثم انتقل السياق بعدها إلى التصديق بيوم الدين؛ وهذا الترتيب دقيق؛ إذ لا يستقيم البذل المستمر إلا على أساس اعتقادي يوقن صاحبه بالجزاء؛ فالخصلة الرابعة علة للثالثة.