سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ
سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ
تفتتح السورة بحكاية موقف وقع فعلاً لا بفرض مقدّر: {سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الأولى من سورة المعارج، أن أهل التأويل اختلفوا في المراد بالسائل على أقوال: فروى عن ابن عباس ومجاهد أن السائل هو النَّضْر بن الحارث بن كَلَدة، وهو الذي قال: {اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَٰذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}؛ فأنزل الله هذه الآية جواباً على استعجاله وإخباراً بأن ما دعا به واقع لا محالة. وروى قولاً ثانياً عن الحسن وقتادة: أن السائل جماعة من المشركين سألوا سؤال تكذيب واستهزاء: متى هذا العذاب الذي تعدنا به؟ وذكر قولاً ثالثاً عن بعض أهل العلم: أن السائل مؤمن سأل عن وقت وقوعه لا استعجالاً بل استكشافاً. ورجّح جمهور المفسرين المعنى الأول لموافقته سياق السورة؛ إذ ورد بعده وصف الكافرين ثم أمر النبي ﷺ بالصبر عليهم. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير مطلع السورة، على أن المقصود على كل الأقوال تقرير وقوع العذاب لا بيان قائله بعينه. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الأولى من المعارج، إلى أن تنكير {سَائِلٌ} مقصود؛ إذ لا يعني القرآن تشهيره بذاته بقدر ما يعني تسجيل نوع الموقف على كل من يقفه إلى يوم القيامة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): افتتاح السورة بفعل ماضٍ مسند إلى نكرة يجعل السامع أمام حادثة مروية، لا أمام دعوى مجردة؛ وهو أسلوب يشد الانتباه ويهيئ لجواب حاسم. وقد تقدمت سورة الحاقة بتقرير أن ما جاء به النبي ﷺ {لَحَقُّ الْيَقِينِ}، فناسب أن تُفتتح المعارج بموقف من ردّ ذلك اليقين استهزاءً؛ فالسورتان معاً: تقرير ثم علاج لردّ الفعل عليه. والآية مقدمة تُبنى عليها الآيتان بعدها؛ إذ ذكرت العذاب مجملاً، ثم بيّنت الثانية أهله ونفت دافعه، وبيّنت الثالثة مصدره؛ فالنظم يسير من الحدث إلى المستحق إلى المُنزِل.