نَزَّاعَةً لِّلشَّوَىٰ
نَزَّاعَةً لِّلشَّوَىٰ
يأتي وصف فعل النار بعد تسميتها: {نَزَّاعَةً لِّلشَّوَىٰ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية السادسة عشرة من سورة المعارج، أقوال السلف في «الشوى»: فروى عن ابن عباس أنها جلدة الرأس؛ وعن مجاهد وقتادة أنها الأطراف: اليدان والرجلان والرأس؛ وعن أبي العالية أنها محاسن الوجه؛ وعن الحسن أنها مكارم وجهه. ورجّح أن الشوى جمع «شواة» وهي جلدة الرأس، وأن اللفظ يحتمل الأطراف كلها. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن الشوى هي الأطراف؛ ونقل عن الضحاك أنها تنزع الجلد واللحم عن العظم. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن «الشوى» في اللغة ما ليس بمقتل من الجسد؛ ومنه قولهم «رماه فأشواه» أي أصاب منه غير مقتل؛ فسُميت الأطراف شوى لأن إصابتها لا تقتل. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير هذه الآية، إلى أن اختيار «الشوى» دون المقاتل مقصود؛ لأن العذاب لا يُراد به الإهلاك بل الإيلام المستمر.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء هذا الوصف عقب التسمية مباشرة؛ فبعد أن عُرّفت النار باسمها الدال على التلهب، عُرّفت بفعلها الدال على الإيلام. ثم انتقل السياق في الآية بعدها إلى وظيفتها في الدعاء {تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّىٰ}؛ فالترتيب: اسم، ثم فعل، ثم نداء. وهو ترتيب يجعل النار في المشهد كائناً فاعلاً مريداً، لا مجرد مكان للعذاب؛ وهذا أشد في الترويع وأبلغ في التصوير. ويناسب هذا الوصف ما تقدم في الآية الحادية عشرة من تمني المجرم الافتداء ببنيه؛ فالجسد الذي حرص عليه وبذل دونه أعز الناس هو نفسه الذي تنزع النار أطرافه.