عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ
عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ
تصف الآية هيئة تحلقهم: {عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية السابعة والثلاثين من سورة المعارج، أن {عِزِينَ} جماعات متفرقة؛ واحدتها «عِزَة»؛ وروى عن ابن عباس ومجاهد وقتادة أنها الحِلَق والجماعات المتفرقة. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن معناه: متفرقين حِلَقاً حِلَقاً عن يمينك وشمالك. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن أصل «العِزَة» من «عزاه يعزوه» إذا نسبه؛ فكأن كل جماعة تنتسب إلى غير ما تنتسب إليه الأخرى؛ فسُميت الفرقة عِزَة لانتساب أهلها إلى غير أهل الأخرى. وذكر أن الجمع بالواو والنون جبراً لما حُذف من الكلمة. وقد ثبت في "صحيح مسلم"، في كتاب الصلاة، أن النبي ﷺ خرج على أصحابه وهم حِلَق متفرقة فقال: «ما لي أراكم عزين».
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تُكمل هذه الآية صورة المشهد الذي بدأ في الآية السابقة؛ فبعد ذكر إسراعهم، ذُكرت هيئة استقرارهم. ثم يأتي في الآية الثامنة والثلاثين بيان ما في نفوسهم من الطمع؛ فالترتيب: حركة، ثم هيئة، ثم باطن. وهذا التدرج من الظاهر إلى الباطن أسلوب قرآني في كشف أحوال المكذبين. وفي مقابلة هذا التفرق ما ذُكر في وصف المصلين من انتظام الخصال وترابطها؛ فأولئك مجتمعون على أمر واحد، وهؤلاء متفرقون حِلَقاً؛ والتفرق في الهيئة مرآة للتفرق في المقصد.