وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ
وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ
يتمّ المشهد الكوني بذكر الجبال: {وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية التاسعة من سورة المعارج، أن «العِهْن» هو الصوف المصبوغ ألواناً؛ وروى عن قتادة والحسن أن معناه: كالصوف المنفوش. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن العهن هو الصوف، وأن الجبال تصير كذلك ثم تصير هباءً منبثاً. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن الجبال تمر بأطوار يوم القيامة دلّت عليها آيات متفرقة: تُسيَّر، ثم تُنسف، ثم تصير كالعهن المنفوش، ثم تكون هباءً منبثاً؛ فهي مراحل لمشهد واحد لا أقوال متعارضة. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية التاسعة، إلى أن وجه الشبه في التشبيه هو تفكك الأجزاء وخفة الحركة وتلون المنظر؛ فاجتمعت في اللفظ ثلاثة أوجه للشبه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت الآية قرينة للتي قبلها في مشهد واحد؛ فذكرت السماء بذوبانها والجبال بتفككها؛ وهما أعظم ما يستدل به الإنسان على الثبات في العالم العلوي والسفلي. وبعد تقرير انهيار الأعلى والأسفل، انتقل السياق مباشرة إلى الإنسان في {وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا}؛ فكأن النظم يقول: إذا زال ما تظنه راسخاً في الكون، فكيف تبقى الروابط التي بينك وبين الناس؟ وفي هذا الترتيب انتقال محكم من هول الآفاق إلى هول العلاقات.