وَجَمَعَ فَأَوْعَىٰ
وَجَمَعَ فَأَوْعَىٰ
يُذكر الوصف الثاني للمدعوين: {وَجَمَعَ فَأَوْعَىٰ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثامنة عشرة من سورة المعارج، أن المعنى: جمع المال فجعله في وعاء ومنع منه حق الله؛ وروى عن قتادة قوله: كان جموعاً للمال منوعاً لحق الله فيه. وروى عن الحسن أنه قال في تفسيرها: يا ابن آدم، سمعت وعيد الله ثم أنت تجمع وتوعي. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن المراد جمع المال بعضه على بعض وأمسكه فلم يخرج منه حق الله. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن «الإيعاء» جعل الشيء في الوعاء، وهو كناية عن الادخار والإمساك؛ وأن الذم إنما وقع على الجمع المقترن بالمنع لا على مطلق الكسب. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الثامنة عشرة، إلى أن الفاء في {فَأَوْعَىٰ} تفيد الترتيب والتعقيب؛ أي أن الإيعاء أعقب الجمع مباشرة دون أن يتخلله إنفاق.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جمعت الآيتان (17 و18) بين علتين للعذاب: فساد في الاعتقاد والموقف من الحق، وفساد في التعامل مع المال. وهذا الجمع يمهد تمهيداً مباشراً لما بعده من تشخيص الهلع؛ إذ سيأتي في الآيات (19 - 21) أن الإنسان {جَزُوعًا} عند الشر {مَنُوعًا} عند الخير؛ فالمنع المذكور هناك هو نفسه الإيعاء المذكور هنا. ثم يأتي في وصف المصلين المقابل الإيجابي تماماً: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ}. فالسورة تبني منظومة متكاملة: داء يُذكر، ثم دواء يُوصف، وبينهما وعيد يُقرَّر.