فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا
فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا
بعد تقرير الحقيقة الكبرى يوجّه الخطاب إلى النبي ﷺ: {فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الخامسة من سورة المعارج، أن المعنى: فاصبر يا محمد على ما يقول هؤلاء المشركون من الاستهزاء والاستعجال صبراً لا جزع فيه ولا شكوى إلى الخلق. وروى عن مجاهد أن الصبر الجميل هو الذي لا شكوى معه إلى الناس. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن المراد الصبر الذي لا جزع فيه ولا شكوى ولا تسخط. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، عن بعض السلف قولهم: الصبر الجميل هو الذي لا يعرف صاحب المصيبة فيه من غيره؛ أي لا يظهر عليه من الجزع ما يميزه. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الخامسة، إلى أن الفاء للتفريع؛ ففُرّع الأمر بالصبر على ما تقدم من تقرير قرب الموعد وسعة يوم الله؛ فالصبر هنا مبني على علم لا على تجلّد مجرد. وفي القرآن نظائر لهذا الوصف: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} في قصة يعقوب عليه السلام في سورة يوسف، و{وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا} في المزمل، و{فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ} في الحجر؛ فهي أوصاف متآخية في باب معاملة المخالف.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): موقع الآية من السورة موقع الثمرة العملية من المقدمة العلمية؛ فبعد أن قرر الله وقوع العذاب وعظمة مُنزِله وسعة يومه، جاء الأمر بالصبر مفرَّعاً بالفاء؛ إذ لا معنى للجزع بعد استقرار هذه الحقائق. وناسبت هذه الآية أيضاً ما جاء بعدها؛ فقوله {إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا} تعليل للأمر بالصبر؛ أي اصبر فإن ما يستبعدونه قريب، والصبر على أمر قريب يسير. وفي هذا الترتيب أدب دعوي: يُقدَّم بناء اليقين قبل طلب الثبات؛ فالصبر الذي لا يستند إلى علم صبر متهاوٍ.