إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا
إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا
تعلل الآية الأمر بالصبر ببيان سبب استعجالهم: {إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية السادسة من سورة المعارج، أن المعنى: إن هؤلاء المشركين يرون العذاب الذي وُعدوا به بعيداً؛ أي غير كائن ولا واقع؛ فالبعد هنا بعد استبعاد وإنكار لا بعد مسافة. وروى عن قتادة أن معناه: يرونه غير كائن. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن المراد أن الكفار يستبعدون وقوعه ويرونه ممتنعاً. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن «الرؤية» هنا رؤية القلب لا رؤية العين؛ أي يعتقدونه بعيداً. وأوضح ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية السادسة، أن التعبير بالرؤية دون الظن أو الحسبان تصوير لتمكن هذا الاعتقاد في نفوسهم حتى صار كالمشاهد عندهم؛ وهذا من دقيق التصوير القرآني للأحوال النفسية.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية تعليل لما قبلها وتمهيد لما بعدها؛ فهي تعليل للأمر بالصبر: اصبر عليهم لأن جذر مشكلتهم رؤية فاسدة لا مجرد عناد في اللسان؛ ومن كان داؤه في تصوره فعلاجه بطول البيان لا بسرعة المقابلة. وهي تمهيد للآية السابعة {وَنَرَاهُ قَرِيبًا}؛ إذ لا يتم معنى المقابلة إلا بذكر الطرفين. وفي ترتيب السورة: بدأت بسؤال مستعجل، ثم كشفت أن الاستعجال نفسه ناشئ عن استبعاد؛ فالمستعجل للعذاب في الحقيقة منكر له، وإنما استعجله ليثبت لنفسه أنه لا يقع.