كَلَّا ۖ إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ
كَلَّا ۖ إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ
يأتي الردع بتذكيرهم بأصلهم: {كَلَّا ۖ إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية التاسعة والثلاثين من سورة المعارج، أن {كَلَّا} ردع لهم عن هذا الطمع؛ وأن المعنى: إنا خلقناهم من النطفة التي يعلمونها؛ فكيف يطمعون في الكرامة بلا عمل وقد خُلقوا من هذا الأصل المهين؟ وروى عن قتادة ومجاهد أن المراد بـ{مِّمَّا يَعْلَمُونَ}: من النطفة. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن المعنى: إنا خلقناهم من الشيء الذي يعلمونه، وهو الماء المهين؛ فليس لهم فضل على غيرهم يستوجبون به الجنة. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، وجهاً آخر: أن المعنى إنا خلقناهم للتكليف الذي يعلمونه من الأمر والنهي؛ فمن لم يعمل لم ينل. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية التاسعة والثلاثين، إلى أن الإبهام في {مِّمَّا يَعْلَمُونَ} أبلغ من التصريح؛ إذ يحيل السامع إلى ما يعرفه بنفسه فيكون الاعتراف من داخله.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت {كَلَّا} هنا نظيرة لما تقدم في الآية الخامسة عشرة؛ فقُطع بها التمني هناك والطمع هنا. ثم جاء التعليل بذكر أصل الخلق؛ وهو حجة عقلية تناسب مقام كسر الكبر. ثم انتقل السياق في الآيتين (40 و41) إلى القسم على القدرة على استبدالهم؛ فترتب البناء: ردع، ثم تذكير بالأصل، ثم تهديد بالاستبدال. وهذا تدرج في كسر الكبرياء: أنت من أصل مهين، ولست ضرورياً في هذا الوجود. وفي هذا مقابلة لما تقدم من وصف المصلين؛ فأولئك رفعهم العمل من مهانة الأصل، وهؤلاء بقوا فيه.