وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيهِ
وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيهِ
تبلغ سلسلة الفدية منتهاها: {وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيهِ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الرابعة عشرة من سورة المعارج، أن المعنى: ويودّ لو افتدى بأهل الأرض جميعاً من الجن والإنس، ثم ينجيه ذلك الفداء من عذاب الله. وبيّن أن {ثُمَّ يُنجِيهِ} غاية التمني؛ أي: ثم يكون ذلك سبباً في خلاصه. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن الضمير في {يُنجِيهِ} عائد على الافتداء؛ أي ثم ينجيه ذلك الافتداء. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن في {ثُمَّ} إفادة البعد؛ لأن النجاة أبعد ما يطلبه المجرم وأعز ما يتمناه. وأوضح السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذه الآيات، أن هذا التمني لا يقع ولا ينفع؛ فقد قال الله: {فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا}.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): بلغ التصاعد في هذه الآية غايته القصوى؛ فبعد البنين والزوجة والأخ والعشيرة، لم يبق إلا أن يُبذل أهل الأرض كلهم. وفي هذا الترتيب حكمة بالغة: أن النفس حين تشتد بها الشدة تبدأ ببذل الأدنى ثم لا تزال تترقى حتى تبذل كل شيء؛ فصوّرت الآيات هذا التدرج النفسي على حقيقته. ثم جاء الردع في الآية التالية {كَلَّا} ليقطع هذا التمني كله دفعة واحدة؛ فكان موقع {كَلَّا} بعد استيفاء التمني أشد أثراً مما لو جاء في أول السلسلة.