وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا
وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا
يأتي الشطر الثاني من تفسير الهلع: {وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الحادية والعشرين من سورة المعارج، أن المعنى: وإذا أصابه الغنى والسعة والمال منع حق الله فيه وبخل به. وروى عن قتادة أن المراد بالخير هنا: المال والسعة. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن معناه: إذا حصلت له نعمة بخل بها على غيره ومنع حق الله فيها. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن إطلاق «الخير» على المال جارٍ في القرآن كثيراً، كقوله: {إِن تَرَكَ خَيْرًا} وقوله: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ}. وبيّن السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذه الآيات، أن هذين الوصفين يجتمعان في الإنسان المتروك لطبعه، فلا هو عند البلاء صابر ولا هو عند النعماء شاكر؛ فيفوته الخير من الجهتين.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): اكتمل بهذه الآية تفسير الهلع بشطريه؛ فتبين أن الهلع اضطراب في الاستجابة لطرفي الابتلاء: البلاء والنعماء. وهذا التشخيص يمهد للاستثناء في الآية بعدها {إِلَّا الْمُصَلِّينَ}؛ إذ سيأتي في خصالهم ما يعالج الشطرين معاً: فدوام الصلاة والإشفاق من عذاب الرب علاج للجزع، والحق المعلوم في المال علاج للمنع. فالعلاج مرتب على الداء ترتيباً دقيقاً؛ وهذا من أظهر معالم البناء المحكم في السورة. ويناسب هذا أيضاً ما تقدم في {وَجَمَعَ فَأَوْعَىٰ}؛ فذاك تطبيق عملي لهذا الوصف النفسي.