فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ
فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ
يعود السياق إلى المكذبين بتوبيخ لهيئتهم: {فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية السادسة والثلاثين من سورة المعارج، أن المعنى: فما بال هؤلاء الكفار مسرعين نحوك مادّي أعناقهم إليك؛ وروى عن الحسن وقتادة أن {مُهْطِعِينَ} معناه: عامدين مسرعين. وروى عن ابن عباس أن معناه: النظر بذلة وخضوع؛ وعن آخرين: إدامة النظر مع الإسراع. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن الكفار كانوا يجلسون حول النبي ﷺ حِلَقاً حِلَقاً يسمعون ويستهزئون. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن {قِبَلَكَ} معناه: نحوك وتجاهك؛ وأن الاستفهام للإنكار والتوبيخ. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية السادسة والثلاثين، إلى أن الفاء للتفريع على ما تقدم من ذكر جزاء المصلين؛ فكأنه قيل: هذا جزاء المؤمنين، فما بال هؤلاء يتطلعون إليه بلا عمل؟
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء هذا الاستفهام الإنكاري بعد بيان جزاء المصلين مباشرة؛ فوقعت المقارنة بين فريقين: فريق عمل فأُكرم، وفريق تحلّق حول النبي ﷺ يستهزئ ثم يطمع في مثل ذلك الجزاء. وقد صُرّح بهذا في الآية الثامنة والثلاثين: {أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ}. ثم وصفت الآية السابعة والثلاثون هيئة جلوسهم {عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ}؛ فتكاملت الصورة: إسراع، وتحلق، وطمع كاذب. وهذا المقطع هو مفتتح خاتمة السورة التي ستنتهي بمشهد إسراعهم يوم القيامة {يُوفِضُونَ}؛ فبين الإسراعين مقابلة بديعة.