وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ
وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ
تنتقل الخصال إلى حق المال: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الرابعة والعشرين من سورة المعارج، أن أهل التأويل اختلفوا في هذا الحق: فقال قوم هو الزكاة المفروضة؛ لأنها معلومة المقدار؛ وقال آخرون هو حق سوى الزكاة يوجبه المرء على نفسه ويلتزمه؛ وروى عن ابن عباس أنه سوى الزكاة يصل به رحماً ويقري به ضيفاً. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن الأظهر أنه الزكاة، وذكر القول الآخر. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، القولين وبسط أدلتهما، ونبّه على أن من قال إنه غير الزكاة استدل بأن السورة مكية والزكاة إنما فُرضت بالمدينة. وأشار السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذه الآيات، إلى أن وصف الحق بأنه «معلوم» يفيد أن صاحبه قد قدّره على نفسه فصار معلوماً مقرراً لا يتغير بتغير الأحوال.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الخصلة عقب الدوام على الصلاة مباشرة؛ وهو اقتران مطرد في القرآن بين الصلاة والزكاة، بين حق الله وحق العباد. وهي علاج مباشر لقوله في وصف الهلوع: {وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا}؛ فالمنوع يمسك، وصاحب الحق المعلوم يخرج. كما أنها مقابل صريح لقوله في وصف أهل النار: {وَجَمَعَ فَأَوْعَىٰ}؛ فهذا جمع وأوعى، وأولئك في أموالهم حق معلوم. فالسورة تبني تقابلاً دقيقاً بين فريقين في الموقف من المال نفسه.