يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ
يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ
يُوصف اليوم الموعود بمشهد الخروج: {يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثالثة والأربعين من سورة المعارج، أن «الأجداث» القبور، واحدها «جدث»؛ وأن {يُوفِضُونَ} معناه: يسرعون؛ وروى عن قتادة أن المعنى: يسرعون إلى الداعي. وذكر في {نُصُبٍ} قراءتين وقولين: فمن قرأ بفتح النون وسكون الصاد فهو الصنم المنصوب الذي كانوا يعبدونه ويهرعون إليه؛ ومن قرأ بضم النون والصاد فهو جمع «نصاب» أو بمعنى العلم المنصوب الذي يستبقون إليه. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن المعنى: يقومون من قبورهم إذا دعاهم الرب سراعاً كأنهم إلى علم منصوب يستبقون إليه. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن التشبيه بالإسراع إلى النُّصُب فيه توبيخ لهم؛ لأنهم كانوا يستبقون في الدنيا إلى أنصابهم فرحين، فيُساقون في الآخرة إلى الحساب مقهورين.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية بياناً لليوم الذي وُعدوا به في الآية قبلها؛ فبعد الأمر بتركهم حتى يلاقوا يومهم، وُصف ذلك اليوم بأدق تفاصيله. ومن أبدع ما في هذا الموضع أن السورة افتُتحت بمن يستعجل العذاب، وخُتمت بمن يُساق إليه مسرعاً؛ فتحقق ما استعجلوه على وجه لم يريدوه. كما أن وصفهم هنا بالإسراع يقابل وصفهم في الآية السادسة والثلاثين بأنهم {مُهْطِعِينَ}؛ فالإسراع في الدنيا كان اختيارياً إلى الاستهزاء، والإسراع في الآخرة قهري إلى الحساب.