استدلال بالأفلاك والظواهر الكونية العلوية الدقيقة على كمال ربوبيته، وانفراده بالملك التام، وتقبيح عبادة الأصنام التي لا تملك أهون الأشياء وأحقرها.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 460)جامع البيانالطبري٢٠/٤٦٠: «يقول تعالى ذكره: يدخل الله ما ينقص من ساعات الليل في ساعات النهار فيطول النهار ويقصر الليل، ويدخل ما ينقص من ساعات النهار في ساعات الليل فيطول الليل ويقصر النهار، وسخر الشمس والقمر يجريان في فلكيهما لمصالح العباد إلى وقت معلوم وهو قيام الساعة؛ ذلكم الفاعل لهذه الأفعال العظيمة هو الله ربكم وخالقكم، له الملك كله، والذين تعبدون من دونه من الأوثان والأنداد لا يملكون من قطمير».
وأخرج الطبري وابن أبي حاتم بسندهما عن ابن عباس وقتادة ومجاهد والضحاك والسدي في قوله: {مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ}: «القطمير: هي القشرة الرقيقة البيضاء التي تكون على ظهر نواة التمرة بين النواة والقمع».
وقال قتادة: «القطمير: اللفافة التي تلف النواة، وهي أدنى ما يتصوره العقل من الحقارة والقلة، فضرب الله بها المثل لإظهار عجز الأصنام عن أدنى درجات الملك».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{يُولِجُ}: فعل مضارع مرفوع بالضمة، والفاعل مستتر تقديره هو، والإيلاج: الإدخال برفق وتدريج، مأخوذ من الولوج وهو الدخول في المضيق.
{اللَّيْلَ}: مفعول به أول منصوب بالفتحة.
{فِي النَّهَارِ}: جار ومجرور متعلق بـ {يُولِجُ}.
{وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ}: معطوف على ما قبله مماثل له في الإعراب والدلالة، وهو دال على تعاقب الفصول وتفاوت الليل والنهار زيادة ونقصاناً.
{وَسَخَّرَ}: الواو عاطفة، «سخّر» فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل مستتر تقديره هو، والتسخير: التذليل والتوجيه القسري لخدمة غاية معينة بلا عصيان.
{الشَّمْسَ}: مفعول به منصوب بالفتحة.
{وَالْقَمَرَ}: معطوف منصوب بالفتحة.
{كُلٌّ}: مبتدأ مرفوع بالضمة، وتنوينه تنوين عوض عن مضاف إليه؛ أي: كل واحد منهما (الشمس والقمر وسائر الكواكب).
{يَجْرِي}: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة، والفاعل مستتر، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ «كل».
{لِأَجَلٍ}: جار ومجرور متعلق بـ {يَجْرِي}، واللام للتوقيت والانتهاء.
{مُّسَمًّى}: نعت لـ {أَجَلٍ} مجرور بكسرة مقدرة على الألف للتعذر، والأجل المسمى هو يوم القيامة حين تكور الشمس وينخسف القمر وتتناثر الكواكب.
{ذَٰلِكُمُ}: اسم إشارة مبتدأ، واللام للبعد والكاف للخطاب والميم للجمع.
{اللَّهُ}: خبر أول مرفوع بالضمة الظاهرة.
{رَبُّكُمْ}: خبر ثانٍ أو بدل من اسم الجلالة مرفوع بالضمة والكاف مضاف إليه.
{لَهُ الْمُلْكُ}: جار ومجرور خبر مقدم، و«الملك» مبتدأ مؤخر، والجملة خبر ثالث؛ لإفادة الحصر والقصر؛ أي له وحده الملك الحقيقي التام.
{وَالَّذِينَ}: الواو استئنافية، اسم موصول مبتدأ.
{تَدْعُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة صلة الموصول، والدعاء هنا متضمن العبادة والنداء والاستغاثة.
{مِن دُونِهِ}: متعلق بمحذوف حال من العائد المحذوف؛ أي تدعونهم من دونه تعالى.
{مَا}: نافية لا عمل لها.
{يَمْلِكُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ {وَالَّذِينَ}.
{مِن قِطْمِيرٍ}: «من» زائدة لتأكيد استغراق النفي، {قِطْمِيرٍ}: مفعول به لـ {يَمْلِكُونَ} مجرور لفظاً منصوب محلاً.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تدرج الخطاب الرباني من آيات الأرض والبحار المائية السفلية إلى آيات السماء والأفلاك العلوية؛ ليعلم الإنسان أن الكون بأسره -علواً وسفلاً- منقاد لأمر الله الواحد القهار.
المقابلة الصاعقة في النظم والبيان: تقابل بين من يملك الكون ويدبر حركة الشمس والقمر وتعاقب الليل والنهار: {ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ}، وبين الأنداد المزعومة التي لا تملك حتى القشرة الحقيرة المغلفة لنواة التمرة: {مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ}، لإظهار السفه المطلق لمن يسوي بين المالك الأعظم وبين العاجز الأصغر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تسليم المشركين بأن الله هو الخالق مع استمرار عبادتهم للأصنام: يقر المشركون بأن الله مسخر الشمس والقمر وخالق السماوات، ومع ذلك يزعمون أن أصنامهم تنفعهم وتملك قضاء بعض حوائجهم بالشفاعة أو التأثير.
رد الشبهة بالمحاكمة القطعية: أبطلت الآية هذا الزعم بنفي أصل الملكية من جذورها: {مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ}، ومعلوم بالضرورة العقلية أن من لا يملك القشرة الحقيرة لنواة تمرة، لا يستطيع بذاته أن يجلب نفعاً، ولا يدفع ضراً، ولا يشفع شفاعة استقلالية، فصرف العبادة أو النذر أو الدعاء لمن هذا حاله سفاهة عقلية وانحدار عن مقتضى الفطرة.
الطباق التام بين {اللَّيْلَ} و{النَّهَارِ}، والتكرار البلاغي: لإبراز دقة الصنعة والتدبير الرتيب في حركة الفلك.
القصر والحصر بتقديم الخبر في {لَهُ الْمُلْكُ}: لتقرير انفراد الله بالملكوت الحقيقي، وأن ملك العباد في الدنيا ملك عارضي موقوت مجازي.
ضرب المثل بأحقر المحسوسات في {قِطْمِيرٍ}: أسلوب قرآني فريد في تحقير شأن المعبودات الباطلة بذكر الجزئيات الدقيقة المهملة، كالقطمير، والنقير، والفتيل، لإسقاط هيبتها الموهومة من نفوس المشركين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
شهود عظمة الله في شروق الشمس وغروبها: تعليم المؤمن أن يربط عبادته بانتظام الكون؛ فالشمس والقمر مطيعان خاشعان لأمر ربهما، فكيف يعصيه الإنسان الضعيف؟!
تجريد التوحيد والتعلق بالخالق وحده: إذا كانت الأولياء والملائكة والأصنام لا تملك قطميراً استقلالاً عن مشيئة الله، وجب على العبد ألا يرجو غير ربه، وألا يدعو سواه، وأن يقطع حبال الرجاء من جميع الخلائق.