بعد أن قرر توحيد الخلق والأمر وتصريف الرحمة، وجّه نداءً عاماً لجميع بني آدم، يدعوهم إلى شكر نعمائه والاعتراف بربوبيته، ويلزمهم بدليل الخلق والرزق على إفراده بالألوهية.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 439)جامع البيانالطبري٢٠/٤٣٩: «يقول تعالى ذكره: يا أيها الناس اذكروا أيادي الله عندكم، ونعمه عليكم بإيجادكم بعد أن لم تكونوا شيئاً، وإفضاله عليكم بما لا كفء له، وتدبروا: هل لكم من صانع وخالق غير الله يرزقكم من السماء بإنزال المطر، ومن الأرض بإنبات الزرع والشجر؟ لا معبود يستحق الألوهية إلا هو، فكيف تصرفون عن عبادته وتعدلون إلى عبادة الأوثان والجمادات؟».
وقال ابن كثير: «ينبه تعالى عباده ويرشدهم إلى الاستدلال على توحيده في إفراده بالعبادة، كما أنه المنفرد بالخلق والرزق، فإنه لا إله إلا هو وحده لا شريك له».
وقوله: {فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ}: قال قتادة والسدي: فكيف تُصرفون عن التوحيد إلى الشرك، وعن الحق إلى الباطل، بعد وضوح هذه الدلائل النيرة والبراهين القاطعة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ}: {يَا}: حرف نداء للبعيد أو تنبيه للمنادى، {أَيُّ}: منادى مبني على الضم في محل نصب، و«ها» حرف تنبيه لا محل له، {النَّاسُ}: نعت أو عطف بيان لـ «أي» مرفوع بالضمة لفظاً.
{اذْكُرُوا}: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو ضمير متصل فاعل. والذكر هنا يشمل الذكر القلبي بالاستحضار والإجلال، واللساني بالحمد والثناء، والعملي بالامتثال والطاعة.
{نِعْمَتَ اللَّهِ}: مفعول به منصوب بالفتحة، وهو مضاف، واسم الجلالة مضاف إليه، وإفراد النعمة هنا للجنس فيعم سائر النعم الظاهرة والباطنة.
{عَلَيْكُمْ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من «نعمة الله».
{هَلْ}: حرف استفهام إنكاري متضمن معنى النفي القاطع؛ أي: لا خالق غير الله.
{يَرْزُقُكُم}: فعل مضارع مرفوع، وفاعله مستتر تقديره هو يعود على خالق، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ {خَالِقٍ}، أو صفة ثانية والخبر محذوف تقديره «لكم».
{مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ}: متعلقان بـ {يَرْزُقُكُم}، ومن السماء بالمطر والنور والرياح، ومن الأرض بالحب والزرع والمعادن والثمار.
{لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ}: كلمة التوحيد، {لَا}: نافية للجنس، {إِلَٰهَ}: اسمها مبني على الفتح، وخبرها محذوف تقديره «حق»، {إِلَّا}: أداة استثناء أو حصر، {هُوَ}: ضمير منفصل بدل من الضمير المستكن في الخبر المحذوف أو من محل اسم «لا».
{فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ}: الفاء فصيحة عاطفة على مقدر، {أَنَّىٰ}: اسم استفهام تعجبي توبيخي في محل نصب حال، أي: كيف، {تُؤْفَكُونَ}: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون والواو نائب فاعل، وأصل الإفك: الصرف والقلب عن الوجه الصحيح، ومنه المؤتفكات أي المنقلبات.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تدرج الخطاب الإلهي من الدليل الكوني العام في الآية الأولى (خلق السماوات والأرض والملائكة)، إلى التدبير الوجودي المخصوص في الآية الثانية (فتح الرحمة وإمساكها)، ثم وصل في الآية الثالثة إلى مقتضى الخطاب الإلزامي للبشرية كافة: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ}.
بناء الآية قائم على قياس منطقي قطعي: إذا كان الله وحده هو الخالق، وهو الرازق من السماء والأرض، ولا منازع له في ذلك باعتراف المشركين أنفسهم، فيلزم حتماً وبداهةً ألا يُعبد إلا هو: {لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ}، ثم رتب على هذا الإلزام التعجيب من انصرافهم وضلالهم: {فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تعلق المشركين بالوسائط والشركاء: يزعم المشركون أن أصنامهم وأولياءهم يرزقونهم أو يقربونهم إلى الله زلفى وينفعونهم.
رد الشبهة ودحضها: الاستفهام الإنكاري {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم} قطع حجة كل مشرك؛ إذ لا يمكن لأي عاقل في الوجود -ولو كان أعتى المشركين- أن يدعي أن صنماً أو حجراً أو نبياً أو كوكباً خلق قطرة مطر أو أنبت حبة قمح، فإذا ثبت عقلاً انفراد الله بالخلق والرزق، بطل عقلاً أن يُصرف شيء من العبادة والدعاء لغيره؛ لأن صرف العبادة لغير الخالق الرازق قلب للحقائق وانتكاس للفطرة، وهو المعنى الدقيق لقوله {فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ}.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استحضار النعم المحيطة: دعوة المؤمن إلى ترويض نفسه على تعداد نعم الله؛ من نَفَسٍ يتردد، وماءٍ ينزل، وغذاءٍ يُنبت، وعافيةٍ تدوم، فإن ذكر النعم يورث في القلب محبة المنعم وخشوع الجوارح لأمره.
منهاج الدعوة بالإلزام الفطري: تعليم الداعية أن يسلك مسلك القرآن في مناظرة المخالفين، بردهم إلى المسلّمات الفطرية والعقلية (الخلق والرزق) للانطلاق منها إلى إثبات التوحيد والعبودية الخالصة.