هذا تقرير إلهي مطلق لانفراده سبحانه بالضر والنفع، والعطاء والمنع، وبسط الرحمة وقبضها عن سائر البرية.
قال ابن جرير الطبري في «جامع البيان» (20/ 438)جامع البيانالطبري٢٠/٤٣٨: «يقول تعالى ذكره: ما يفتح الله لأهل الأرض من مطر ورزق، ونعمة وعافية، وهداية وتوفيق، فلا أحد يقدر على إمساك ذلك وحبسه عنهم، وما يحبس الله عنهم من ذلك، فلا قادر على إرساله وإطلاقه بعد إمساكه».
وقال ابن كثير: «يخبر تعالى أنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع».
ثبت في «صحيح البخاري» (رقم 844)صحيح البخاريالبخاريحديث رقم ٨٤٤ و«صحيح مسلم» (رقم 593)صحيح مسلممسلمحديث رقم ٥٩٣ من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه: «أن رسول الله ﷺ كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة إذا سلّم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد».
وجاء في وصية النبي ﷺ لابن عباس رضي الله عنهما الثابتة عند الترمذي (رقم 2516)مصدر غير محددحديث رقم ٢٥١٦ وقال حسن صحيح: «واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{مَّا}: اسم شرط جازم مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدم للفعل {يَفْتَحِ}.
{مِن رَّحْمَةٍ}: من بيانية، والجار والمجرور في محل نصب حال من اسم الشرط «ما»، أو تمييز لبيان المبهم في اسم الشرط. والرحمة اسم جامع لكل خير وفضل ديني ودنيوي؛ كالمطر، والرزق، والعافية، والنبوة، والتوفيق، وانشراح الصدر.
{فَلَا}: الفاء رابطة لجواب الشرط وجوباً لاقترانه بجملة اسمية منفية بـ «لا» النافية للجنس.
{مُمْسِكَ}: اسم «لا» النافية للجنس مبني على الفتح في محل نصب.
{لَهَا}: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر «لا»، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط.
{وَمَا}: الواو عاطفة، «ما» اسم شرط جازم في محل نصب مفعول به مقدم لـ {يُمْسِكْ}.
{يُمْسِكْ}: فعل الشرط مضارع مجزوم بالسكون، وفاعله مستتر تقديره هو.
{فَلَا مُرْسِلَ لَهُ}: الفاء رابطة، «لا» نافية للجنس، «مرسل» اسمها مبني على الفتح، «له» جار ومجرور خبرها. وتذكير الضمير في «له» مراعاة للفظ «ما»، وتأنيثه في «لها» مراعاة لمعنى «الرحمة».
{مِن بَعْدِهِ}: متعلق بمحذوف نعت لـ {مُرْسِلَ} أو متعلق بـ {مُرْسِلَ}، أي: لا مرسل كائناً من بعد إمساك الله تعالى.
{وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}: الواو استئنافية، {هُوَ}: ضمير منفصل مبتدأ، {الْعَزِيزُ}: خبر أول مرفوع، الغالب القاهر الذي لا يمانع في سلطانه، {الْحَكِيمُ}: خبر ثانٍ، الواضع لأفعاله ومقاديره في مواضعها المستحقة بحكمة بالغة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
لما قرر في الآية السابقة قدرته التامة وخلقه للعوالم والملائكة، بين في هذه الآية تصريف ربوبيته ورحمته في بني آدم؛ ليعلم العباد أن القدرة العظمى التي تدبر الأفلاك هي ذاتها التي تفيض الرحمات وتقسم الأرزاق، فلا تعلق القلوب بغيره.
المقابلة التامة بين الشرطين: {مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ} في مقابل {وَمَا يُمْسِكْ}، وجوابي الشرطين: {فَلَا مُمْسِكَ لَهَا} في مقابل {فَلَا مُرْسِلَ لَهُ}، ثم تذييل الآية بصفتي {الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}؛ فالعزة تضمن نفاذ القدرة والمنع دون ممانع، والحكمة تضمن أن الفتح والإمساك واقعان على وفق المصلحة والعدل التام.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة نسبة الشر والإمساك إلى الحكمة الإلهية: يزعم المعترضون أن حرمان بعض الناس وإمساك الرحمة أو الرزق عنهم ينافي الرحمة المطلقة.
رد الشبهة ودفع الإشكال: إمساك الله لبعض النعم عن بعض العباد ليس بخلًا ولا ظلماً -تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً- بل هو عين الحكمة البالغة؛ فإن من العباد من لا يصلحه إلا الفقر ولو بسط الله له الرزق لبغى في الأرض، ومنهم من لا يزكو إلا بالعافية ولو ابتلي لفسد دينه، كما أن الإمساك الدنيوي قد يكون باباً لفتح رحمة أعظم في الدين أو الآخرة أو صيانة للعبد من البطر. والختام بـ {الْحَكِيمُ} قاطع لكل اعتراض، فالعبد يجهل العواقب والحكيم الخبير محيط بكل شيء.
استعارة الفتح والإرسال للرحمة: شبّه إفاضة النعم بفتح الأبواب المغلقة وإرسال المسجون والمحبوس، مما يشعر بأن الرحمة إذا حلت تدفقت بقوة لا يملك أحد صدها، وإذا أُمسكت انغلقت السبل.
الحذف البلاغي: حذف مفعول {يُمْسِكْ} لدلالة السياق عليه، ولإفادة التعميم؛ أي وما يمسك من شيء من رحمته وأرزاقه.
التنكير في {مِن رَّحْمَةٍ}: لإفادة الاستيعاب التام والعموم لأي نوع من أنواع الرحمات؛ سواء كانت قطرة ماء، أو فكرة هداية، أو شفاء علة، أو انشراح صدر.
التوازن الصوتي والمعنوي: التوازي الرائع بين الجملتين الشرطيتين يولّد طمأنينة وسكينة علوية تجتث القلق والخوف من قلوب الموقنين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحقيق التوكل وقطع الطمع في المخلوقين: هذه الآية الكريمة تسكب في روع المؤمن بلسم الرضا والحرية الكاملة من رق العبيد؛ فإذا علم العبد أن الخلق مجتمعين لا يستطيعون حبس رحمة كتبها الله له، ولا فتح باب رزق أمسكه الله عنه، انقطع خوفه ورجاؤه إلا من الله، واستعلى بإيمانه عن التذلل لأهل الدنيا.
دوام اللجوء إلى مفاتح الرحمة: السعي في استمطار رحمة الله بالأسباب الشرعية؛ من توبة، واستغفار، وطاعة، ودعاء، وتفويض الأمر لله مع اليقين بأن منع الله للعبد المؤمن هو عين العطاء في الحقيقة، إذ يمنعه بحكمته ليرفعه برحمته.