نداء رباني ثانٍ موجه إلى جميع البشرية، يوقظ الغافلين، ويحذرهم من أعظم مهلكتين: الاغترار بمتاع الحياة الفانية، والانخداع بحبائل الشيطان المضل.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 442)جامع البيانالطبري٢٠/٤٤٢: «يقول تعالى ذكره: يا أيها الناس إن وعد الله بالبعث والقيامة والجزاء على الأعمال حق يقين لا شك فيه، ولا مرية في وقوعه، فلا تخدعنكم زينة الحياة الدنيا ولذاتها الفانية فتنسيكم العمل للآخرة، ولا يخدعنكم بالله خادع من شياطين الإنس والجن يمنيكم المغفرة مع الإقامة على المعاصي والشرك».
وأخرج بسنده الصحيح عن مجاهد وقتادة والضحاك في قوله: {وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ}: «الغرور: الشيطان»، يغر بني آدم بالأماني الكاذبة، ويعدهم الباطل، ويدعوهم إلى التمادي في الضلال.
وقال سعيد بن جبير: «هو أن يعمل العبد بالمعصية ويتمنى على الله المغفرة، فيقول: سيغفر لي، وذلك هو الاغترار بالله».
ثبت في «صحيح البخاري» (رقم 6416)صحيح البخاريالبخاريحديث رقم ٦٤١٦ من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ}: نداء تنبيهي عام سبق إعرابه.
{تَغُرَّنَّكُمُ}: فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة في محل جزم بـ «لا» الناهية، والكاف ضمير متصل مبني على الضم في محل نصب مفعول به مقدم، والميم للجمع، وحركت بالضم للتخلص من التقاء الساكنين. والغرور: الخداع وإظهار النفع مع إبطان الهلاك.
{الْحَيَاةُ}: فاعل مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة.
{الدُّنْيَا}: نعت لـ {الْحَيَاةُ} مرفوع بضمة مقدرة على الألف للتعذر، وسُميت دنيا لدنوها وقرب زوالها وخستها مقارنة بالآخرة.
{وَلَا يَغُرَّنَّكُم}: الواو عاطفة، والجملة معطوفة على سابقتها، وإعرابها كإعراب الأولى تماماً.
{بِاللَّهِ}: جار ومجرور متعلق بـ {يَغُرَّنَّكُم}، والباء للسببية أو الإلصاق بالمغرور به؛ أي لا يخدعنكم بحلم الله وإمهاله وتمني مغفرته بلا عمل.
{الْغَرُورُ}: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة، وقرأ الجمهور بفتح الغين {الْغَرُورُ} بصيغة المبالغة، وهو الشيطان الخداع الكثير المكر. وقرأ سماك بن حرب وزيد بن علي وشاذ بضم الغين «الغُرور» وهو المصدر بمعنى الباطل والأماني الخادعة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
لما ذكر في الآية السابقة أن الأمور كلها مرجعها إلى الله، جاءت هذه الآية لتقرر الحقيقة الكبرى الكاشفة لذلك المصير: {إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ}؛ ليعلم الناس أن المرجع ليس مجرد فكرة غامضة بل هو وعد إلهي جازم بالجزاء والحساب.
ثم فرّع على هذا التقرير نهيين قاطعين مؤكدين بنون التوكيد: النهي عن الاغترار بالعاجلة الدنية (الدنيا)، والنهي عن الاغترار بالمخادع الأكبر (الشيطان)، وهما أصل كل فتنة وضلال في بني آدم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الاتكال على حلم الله ومغفرته مع الإصرار على الذنوب: يقع كثير من الغافلين في فخ التمني الكاذب، قائلين: «إن الله غفور رحيم» فيبارزونه بالمعاصي استناداً إلى رحمته.
دحض الشبهة بالمحاكمة الشرعية: بيّن السلف كالحسن البصري وسعيد بن جبير أن هذا هو عين الاغترار المنهي عنه بقوله: {وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ}؛ فإن الاغترار بحلم الله مع الإصرار على معصيته سفه وخداع شيطاني؛ لأن الله كما أنه غفور رحيم فهو شديد العقاب، والرجاء الصادق يثمر العمل الصالح والوجل، أما الرجاء مع التفريط ومواقعة المحرمات فهو أمن من مكر الله وغرور مهلك.
تأكيد الجملة الاسمية بـ {إِنَّ}: لرد إنكار المنكرين وتنبيه الغافلين إلى حتمية المعاد.
التوكيد بنون التوكيد الثقيلة في الفعلين: {فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ} و{وَلَا يَغُرَّنَّكُم}؛ لخطورة مكر الدنيا والشيطان وشدة استدراجهما لطباع البشر المائلة إلى العاجل.
الجناس والاشتقاق البديع بين {تَغُرَّنَّكُمُ} و{الْغَرُورُ}: لإبراز تغلغل صفة الخداع في هذا العدو اللدود وأنه اتخذ الغرور صناعة وسلاحاً.
المقابلة الخفية: بين دوام حقانية وعد الله، وبين سرعة زوال غرور الدنيا وأماني الشيطان.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
اليقظة من فخاخ الغفلة: على المسلم أن يتفقد قلبه دائماً، فلا يلهيه مال ولا جاه ولا ولد عن الاستعداد للقاء الله، وأن يعامل الدنيا على أنها ممر ومعبر لا دار استقرار ونعيم.
الحذر من تبريرات الشيطان النفسية: إدراك أن تسويف التوبة وتزيين المعصية بحجة سعة الرحمة هي من أخبث حبائل إبليس، فالواجب الجمع بين الخوف والرجاء، والمسارعة إلى العمل الصالح قبل فوات الأوان.