المثل الثالث المعبر عن المآل، وثمرة العمل، ومصير الفريقين في الآخرة بالراحة والنعيم أو بالعذاب والسموم.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 470)جامع البيانالطبري٢٠/٤٧٠: «يقول تعالى ذكره: ولا يستوي الظل البارد الوديع الذي يقي من وهج الحر، والحرور وهو السموم والريح الحارة المحرقة ليلاً أو نهاراً؛ وهذا مثل ضربه الله للجنة والنار، ومصير المؤمن في ظلال الجنة الوارفة، ومصير الكافر في حرور جهنم وسمومها».
وأخرج الطبري عن ابن عباس ومجاهد وقتادة: «الحَرور: بالنهار مع الشمس، والسموم: بالليل، وقيل: الحرور يكون بالليل وبالنهار، والسموم لا يكون إلا بالنهار». وقال رؤبة بن العجاج: «الحرور الريح الحارة تكون ليلاً ونهاراً».
وقال قتادة: «الظل: الجنة، والحرور: النار».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَلَا}: الواو عاطفة، «لا» لتأكيد النفي.
{الظِّلُّ}: معطوف على ما قبله مرفوع بالضمة الظاهرة، والظل: ما سد الشمس ووقى من حرارتها، ويكون ممتداً في الغدو والآصال.
{وَلَا}: الواو عاطفة، «لا» لتأكيد النفي.
{الْحَرُورُ}: معطوف على «الظل» مرفوع بالضمة الظاهرة، فعول من الحرارة، وهو الريح الحارة الشديدة السخونة التي تهب فتلفح الوجوه وتحرق الأجسام، وأكثر ما تستعمل في حر الليل أو دوام الحر ليلاً ونهاراً.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا المثل الثالث مكمل للمثلين السابقين في التدرج التناسقي المعجز:
الأعمى والبصير: نظر إلى حالة الإنسان في نفسه وقواه الإدراكية.
الظلمات والنور: نظر إلى طريقه ومنهجه في الحياة الدنيا.
الظل والحرور: نظر إلى مآله وراحة نفسه أو شقائها وجزائه في الآخرة.
تقابل حسي يدركه ابن البادية وأهل الأرض جميعاً؛ فمن ذا الذي يسوي بين من يقيل في ظل ظليل بارد شفيق، وبين من يلفحه ريح الحرور والسموم القاتل؟!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة استواء الناس في المصائر الأخروية: زعم بعض الفلاسفة والملاحدة قديماً وحديثاً أن الموت نهاية المطاف يستوي فيه الجميع بالعدم، أو أن الكل مرحومون ومصيرهم واحد بلا عذاب دائم.
رد الشبهة بالمحاكمة العقلية والعدلية: بيّنت الآية أن تفاوت الأعمال والنيات يقتضي حتماً تفاوت المصائر؛ فإن القول باستواء المحسن والمسيء في المآل ينافي حكمة الحكيم وعدل العادل، كما ينافي أبسط البدائه؛ فإذا كان الظل لا يستوي مع الحرور في الحس الدنيوي العابر، فكيف يستويان في الجزاء الأبدي بين جنات النعيم ونار السعير؟!
الطباق الحسي البليغ بين {الظِّلُّ} و{الْحَرُورُ}: استحضار شعور الراحة والسكينة في الأول، وشعور الاختناق والاحتراق في الثاني.
تكرار النفي بـ {لَا}: لتأكيد الاستحالة والقطيعة التامة بين الحالتين.
البعد الإشاري الروحي: كما أن البدن يجد أمنه في الظل من قيظ الشمس، فإن الروح لا تجد راحتها وظلالها إلا في كنف الإيمان وذكر الله، بينما يتقلب المعرض في حرور القلق والاضطراب والشبهات في دنياه قبل أخراه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الشوق إلى ظلال الجنة والفرار من لهيب النار: تذكير النفس بظلال الجنة الممدودة: {وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ}، واستعاذتها المستمرة من سموم جهنم وحرورها، مما يبعث على الجد والاجتهاد في الطاعات وترك المحرمات.
توفير ظلال الرحمة للخلق: أن يسعى المسلم ليكون ظلاً بارداً رحيماً على إخوانه المسلمين؛ يفرج كربهم، ويستر عيوبهم، ويظلهم بصدقاته كما في الحديث: «كل امرئ في ظل صدقته حتى يُقضى بين الناس».