المثل الثاني في المقابلة بين شؤم الكفر والضلال وإشراق الإيمان والهدى.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 469)جامع البيانالطبري٢٠/٤٦٩: «يقول تعالى ذكره: وكذلك لا تعتدل الظلمات والنور؛ وهذا مثل آخر ضربه الله لضلالة الكافر وهدى المؤمن، فالظلمات هي الكفر والجهل والشرك، والنور هو الإيمان والهدى والعلم، وكما يباين النور الظلام في حسه وأثره ونفعه، فكذلك يباين الحق الباطل».
وقال ابن عباس ومجاهد: «الظلمات: الباطل والكفر، والنور: الحق والإيمان».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَلَا}: الواو عاطفة، «لا» لتأكيد النفي.
{الظُّلُمَاتُ}: معطوف على «الأعمى» أو فاعل لفعل محذوف يفسره المذكور؛ أي: ولا تستوي الظلمات. وجُمعت «الظلمات» لكثرة طرق الباطل وتعدد مسالك الضلال والبدع وأهواء النفس.
{وَلَا}: الواو عاطفة، «لا» لتأكيد النفي.
{النُّورُ}: معطوف على «الظلمات» مرفوع بالضمة، وأُفرد «النور» لوحدة الحق واستقامة صراط الله المستقيم الذي لا عوج فيه ولا تفرق.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
اتصال متين بالآية السابقة؛ فبعد أن شبّه الكافر والمؤمن بالأعمى والبصير (الذوات الإنسانية)، شبّه معتقدهما بالظلمات والنور (المحيط والمنهاج)؛ فالأعمى يتخبط في الظلمات، والبصير يسير في النور، فاكتمل التناسب البديع بين الموصوف والبيئة.
تكرار «لا» النافية في النظم: لزيادة التوكيد على المباينة ونفي أي اشتراك أو تلاقٍ بين سبل الضلال وطريق الحق.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة إمكان التوفيق والخلط بين الشرك والتوحيد: حاول كفار مكة مساومة النبي ﷺ بأن يعبد آلهتهم سنة ويعبدوا إلهه سنة، زاعمين إمكانية التلاقي بين النظامين.
رد الشبهة بدلالة النور والظلام: أثبتت الآية الاستحالة العقلية والفيزيائية لهذا الخلط؛ فالنور والظلام نقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان في محل واحد في وقت واحد، فحلول النور يطرد الظلام حتماً، وغياب النور يجلب الظلام، فكذلك التوحيد الخالص لا يقبل شائبة شرك، والحق لا يقبل أدنى تلون بالباطل.
إعجاز الجمع والإفراد: جمع «الظلمات» وإفراد «النور»؛ إشارة بلاغية وعقدية معجزة إلى أن الباطل متشعب متفرق ذو مذاهب وفلسفات متضاربة، بينما الحق واحد لا يتعدد؛ نوره واحد ومنبعه واحد وصراطه واحد: {وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ}.
استعارة النور للوحي والإيمان: لما فيه من كشف الحقائق، وطمأنينة النفوس، وهداية السائرين، ودفء الحياة، واستعارة الظلمات للشرك والجهل لما فيها من حيرة، ورعب، وانقطاع للسبل.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الاعتصام بنور الوحي القرآني: على المسلم أن يطلب الهداية والرشاد من مشكاة القرآن والسنة؛ فكل فكر أو فلسفة تنأى عن نور الوحي فهي ظلمات متراكمة تخبط أصحابها في التيه والقلق.
المفاصلة المنهجية والأخلاقية: الحذر من التشبه بأهل الباطل في مفاهيمهم وسلوكياتهم؛ فصاحب النور لا يجوز له أن يرتضي أردية الظلمات.