قاعدة عقدية وسلوكية فاصلة تبين المنبع الأوحد للعزة الحقيقية، والسبيل لنيلها بصالح القول والعمل، وتكشف بوار مكر الماكرين وهوانهم.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 450)جامع البيانالطبري٢٠/٤٥٠: «يقول تعالى ذكره: من كان يطلب العزة والشرف والمنعة في الدنيا والآخرة، فليطلبها بطاعة الله وعبادته؛ فإن العزة كلها لله في الدنيا والآخرة، فمن اعتز بغير الله أذله الله. وقوله: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ}: قال ابن عباس وقتادة ومجاهد: الكلم الطيب ذكر الله وتوحيده وقراءة القرآن، والعمل الصالح أداء فرائضه، والعمل الصالح هو الذي يرفع الكلم الطيب ويقبله عند الله؛ فالقول لا يقبل إلا بعمل، ولا عمل إلا بنية».
وقال قتادة: «إليه يصعد الكلم الطيب ولا يقبل الله كلمًا طيبًا إلا بعمل صالح، فإذا تكلم العبد بالكلم الطيب وعمل صالحًا رُفع كلامه بعمله، وإن تكلم بالكلم الطيب ولم يعمل صالحًا رُد كلامه على عمله الخبيث».
وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ}: «هم أهل الشرك ومكرهم في دار الندوة بالنبي ﷺ»، وقال قتادة ومجاهد: «هم أصحاب الرياء يراءون بأعمالهم فيمكرون في الدنيا، ومكرهم يبور ويفسد ولا يقبل الله منه شيئاً».
وقوله: {وَمَكْرُ أُولَٰئِكَ هُوَ يَبُورُ}: قال مجاهد والسدي وابن زيد: يبور أي يفسد ويهلك ويذهب باطلاً ولا ينتفعون به في الآخرة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{مَن}: اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
{كَانَ}: فعل ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، واسمه ضمير مستتر تقديره هو.
{يُرِيدُ}: فعل مضارع مرفوع، والفاعل مستتر، والجملة في محل نصب خبر «كان».
{الْعِزَّةَ}: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة. والعزة: القوة، والمنعة، والغلبة، والامتناع عن القهر والهوان.
{فَلِلَّهِ}: الفاء رابطة لجواب الشرط، واللام حرف جر، واسم الجلالة مجرور باللام، وشبه الجملة متعلق بمحذوف خبر مقدم. وجواب الشرط محذوف تقديره: فليطلبها من الله وحده، ودل عليه قوله: {فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا}.
{الْعِزَّةُ}: مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة.
{جَمِيعًا}: حال من العزة منصوبة بالفتحة؛ أي العزة مستغرقة كلها لله لا يشاركه فيها أحد.
{إِلَيْهِ}: جار ومجرور متعلق بـ {يَصْعَدُ}، وتقديمه يفيد القصر والاختصاص؛ أي إلى الله وحده لا إلى غيره.
{يَصْعَدُ}: فعل مضارع مرفوع بالضمة، والصعود: الارتفاع والقبول والرضوان.
{الْكَلِمُ}: فاعل مرفوع بالضمة، وهو اسم جنس جمعي مفرده كلمة.
{الطَّيِّبُ}: نعت لـ {الْكَلِمُ} مرفوع بالضمة، والطيب هو الطاهر الزاكي من توحيد وتسبيح وتحميد ودعاء.
{وَالْعَمَلُ}: الواو عاطفة أو استئنافية، «العمل» مبتدأ مرفوع بالضمة.
{الصَّالِحُ}: نعت للعمل مرفوع بالضمة.
{يَرْفَعُهُ}: فعل مضارع مرفوع، والفاعل مستتر يعود على الله تعالى أو على العمل الصالح، والهاء مفعول به يعود على الكلم الطيب أو على العمل الصالح. والقولان معتبران: العمل الصالح يرفع الكلم الطيب (شرط قبوله)، أو الله يرفع العمل الصالح والكلم الطيب إلى سمائه وقبوله. وجملة يرفعه خبر المبتدأ «العمل».
{وَالَّذِينَ}: الواو عاطفة استئنافية، اسم موصول مبتدأ.
{وَمَكْرُ}: الواو عاطفة، «مكر» مبتدأ مرفوع بالضمة وهو مضاف.
{أُولَٰئِكَ}: اسم إشارة مبني في محل جر مضاف إليه.
{هُوَ}: ضمير فصل لا محل له، أو مبتدأ ثانٍ.
{يَبُورُ}: فعل مضارع مرفوع، وفاعله مستتر، والجملة خبر «مكر» أو خبر «هو»، والبور: الفساد والكساد والهلاك، ومنه أرض بوار أي لا تنبت شيئاً.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
لما كان المشركون يطلبون العزة والمنعة بعبادة الأوثان والتحالف مع الكبراء كما قال تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا}، بيّن الله في هذه الآية ضلال مسعاهم؛ فالعزة كلها لله لا يملك أحد منها ذرة.
ثم أبان الطريق الحق لنيل شرف العزة وهو صعود الكلم الطيب والعمل الصالح إلى الله، وقابله بمآل من سعى للعزة بالمكر السيئ والكيد والمؤامرات، مبيناً أن عاقبة مكرهم هي العذاب والهلاك والبوار الحتمي.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة طلب العزة بالقوة المادية والسياسية المجردة: يظن طلاب الدنيا أن العزة تنال بالأموال والجيوش والمكر السياسي والدهاء، ولو على حساب الأخلاق والدين.
رد الشبهة ودحضها البرهاني: قررت الآية حكماً كلياً: {فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا}، فالعزة ليست عرضاً مادياً يُسلب بالدهاء، بل هي شأن إلهي خالص، وكل عزة تُطلب بغير طاعة الله ومراضيه تنقلب إلى ذل وهوان وصغار؛ لأن المكر البشري مصيره إلى البوار: {وَمَكْرُ أُولَٰئِكَ هُوَ يَبُورُ}، وما التاريخ إلا مصارع للطغاة الذين مكروا مكرهم فدمر الله بنيانهم من القواعد.
أسلوب الشرط والحذف البلاغي: حذف جواب الشرط في {مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ} لتقدير: فليطلبه من مالكها؛ مما يثير تشوق السامع ويقطع أي توهم في إمكانية نيل العزة من باب آخر.
الحال المؤكدة بـ {جَمِيعًا}: تفيد الاستغراق التام؛ فليس لأحد غير الله مثقال ذرة من العزة الذاتية، ومن نال عزة من الأنبياء والمؤمنين فإنما هي بإعزاز الله لهم: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ}.
استعارة الصعود للقبول والرضوان في {إِلَيْهِ يَصْعَدُ}: تصوير حسي بديع للكلمات الطيبة والأذكار كأنها طيور نورانية ترقى في مدارج السموات حتى تستقر في رحاب العرش المجيد.
استعمال الفعل {يَبُورُ}: تجسيم بديع لفساد مكرهم وكساده كالسلعة الفاسدة التي لا يشتريها أحد ولا تثمر لصاحبها إلا الخسارة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الاعتزاز بالله والانعتاق من التبعية: المؤمن الصادق يستمد عِزته وقوته من اتصاله بالعزيز الجبار؛ فلا ينكسر أمام متجبر، ولا يتنازل عن مبادئه لإرضاء ذوي النفوذ، موقناً أن من اعتز بالله رفعه ومن اعتز بغيره وضعه.
التلازم الحتمي بين القول والعمل: تحذير المسلم من الاكتفاء بالكلام الحسن وتنميق الأقوال في المجالس دون عمل صالح مصدق؛ فإن الكلمة الطيبة لا تصعد ولا ترتفع إلا إذا حملها العمل الصالح الخالص على جناح الإخلاص.