تصوير مهيب للنعيم والكرامة الملكية التي يلقاها ورثة الكتاب المصطفون في جنات الإقامة الدائمة، من الحلي والذهب واللؤلؤ والحرير.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 493)جامع البيانالطبري٢٠/٤٩٣: «يقول تعالى ذكره: ثواب هؤلاء الذين اصطفيناهم من عبادنا فأورثناهم الكتاب؛ بسابقهم ومقتصدهم وظالمهم لنفسه، جنات إقامة واستقرار يدخلونها يوم القيامة مكرمين، يُلبسون فيها أساور تصاغ من ذهب خالص، ولؤلؤاً يتلألأ في تيجانهم وأيديهم، وثيابهم التي يلبسونها في الجنة حرير ديباج وسندس وإستبرق».
وقال ابن كثير: «يعود الضمير في {يَدْخُلُونَهَا} على الأصناف الثلاثة المصطفين؛ فالكل يدخل الجنة إما ابتداءً وإما مآلاً برحمة الله تعالى، وجنات عدن هي دار الإقامة والخلود التي لا يزول نعيمها ولا يحول».
ثبت في «صحيح مسلم» (رقم 250)صحيح مسلممسلمحديث رقم ٢٥٠ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء».
وثبت في «صحيح البخاري» (رقم 5831)صحيح البخاريالبخاريحديث رقم ٥٨٣١ من حديث حذيفة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تلبسوا الديباج والحرير فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{جَنَّاتُ}: مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة، وخبره جملة {يَدْخُلُونَهَا}، أو بدل من «الفضل الكبير»، أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره «هي جنات عدن». والجنات: جمع جنة وهي البستان العظيم الملتف الأشجار الساتر لما تحته من عظيم خضرته ونعيمه.
{عَدْنٍ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة، والعدن في لسان العرب: الإقامة والدوام والخلود، ومنه عدن بالمكان إذا أقام به واستقر فلا يرحل عنه أبداً.
{يَدْخُلُونَهَا}: قرأ الجمهور بفتح الياء وضم الخاء {يَدْخُلُونَهَا} مبنياً للمعلوم، وقرأ أبو عمرو في رواية «يُدْخَلُونَهَا» بضم الياء وفتح الخاء مبنياً للمجهول، والواو فاعل (أو نائب فاعل)، والهاء مفعول به.
{يُحَلَّوْنَ}: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون، والواو نائب فاعل، والجملة في محل نصب حال من واو يدخلونها. والتحلية: الإلباس للحلية والتجميل بها.
{فِيهَا}: متعلق بـ {يُحَلَّوْنَ}.
{مِنْ أَسَاوِرَ}: «من» الأولى للتبعيض أو بيانية، {أَسَاوِرَ}: مجرور لفظاً بالفتحة لأنه ممنوع من الصرف على صيغة منتهى الجموع (مفرده إسوار أو سوار)، والجار والمجرور في محل نصب مفعول به ثانٍ لـ {يُحَلَّوْنَ}.
{مِن ذَهَبٍ}: «من» بيانية، الجار والمجرور في محل نعت لـ {أَسَاوِرَ}.
{وَلُؤْلُؤًا}: قرأ نافع وعاصم وابن عامر بالرفع عطفاً على محل «أساور» أو بالنصب {وَلُؤْلُؤًا} عطفاً على محل الجار والمجرور «من أساور» لأنه مفعول به في الأصل، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي بالجر «ولؤلؤٍ» عطفاً على لفظ «ذهب»؛ أي من ذهب ومن لؤلؤ.
{وَلِبَاسُهُمْ}: الواو عاطفة، «لباس» مبتدأ مرفوع بالضمة، وهم مضاف إليه.
{فِيهَا}: متعلق بـ «لباسهم» أو بمحذوف حال.
{حَرِيرٌ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة، وهو أنعم الأنسجة وأشرفها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الإعلان بالنعيم الملكي الحافل في {جَنَّاتُ عَدْنٍ} متصل اتصال الجزاء بالأصناف المصطفاة المذكورة في الآية السابقة؛ لبيان أن هؤلاء الذين حملوا أمانة الوحي وأورثوا الكتاب لن تضيع مساعيهم، بل سيُكرمون في دار القرار بخصائص التكريم والسيادة.
المقابلة التامة بين شظف العيش وتكاليف الصبر في الدنيا بحرمان النفس من المحرمات (كالذهب والحرير للرجال)، وبين إطلاق هذا النعيم وتفجيره في الآخرة جزاء وفاقاً وإكراماً مطلقاً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة استنكار لبس الذهب والحرير للرجال في الجنة: يزعم بعض الجاهلين أن التحلية بالأساور ولين الحرير من شأن النساء فكيف يوصف به أهل الجنة من الرجال؟!
رد الشبهة والبيان البلاغي والعرفي: يقرر علماء الإسلام أن لبس الأساور والتيجان والحرير كان في العرف الإنساني علامة على «الملك والشرف والسيادة المطلقة»؛ فملوك الفرس والروم والجبابرة كانوا يلبسون الأساور وتيجان الذهب والحرير إعلاناً للملك والعز، فأخبر الله أن أهل الجنة -رجالاً ونساءً- يُتوجون تيجان الكرامة ويلبسون حلل الملوك، مع انتفاء أي نقص أو ميوعة؛ لأن طباع الجنة طباع كمال وطهارة وجمال لا يشوبه عيب الدنيا، ولكل جنس بهاؤه ولذته الكاملة.
البناء للمجهول في {يُحَلَّوْنَ}: لإفادة التكريم والتدليل التام؛ فليسوا هم الذين يبحثون عن الحلي فيلبسونها بكدهم، بل تأتيهم ملائكة الرحمن فتقوم على خدمتهم وتحليتهم كما يُفعل بالملوك والعرائس.
تنوع القراءات وإثراؤها للمعنى في {وَلُؤْلُؤًا}:
قراءة النصب والرفع: تفيد أن الأساور تصاغ من اللؤلؤ المستقل أو الذهب المستقل.
قراءة الجر «ولؤلؤٍ»: تفيد أن السوار الواحد مرصع وممزوج بالذهب واللؤلؤ معاً في غاية الإتقان والجمال.
استعمال الاسمية في {وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ}: لإفادة الثبوت والاستمرار والدوام في التمتع بهذا النعيم المترف.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الصبر عن شهوات الدنيا الفانية لظفر بنعيم الآخرة: من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه؛ فمن صبر على ترك الحرير والذهب المحرم في الدنيا ألبسه الله إياه في دار المقامة بخلود لا يزول.
الشوق إلى لقاء الله والجنة: تحريك قلوب المؤمنين بهذه المشاهد البهية؛ لتطيب نفوسهم عن مصاعب الدنيا وأسقامها وفقرها، فكل بلاء دنيوي يهون في أول غمسة في جنات النعيم والتحلي بأساور الذهب واللؤلؤ.