استدلال كوني مشهود بآية إحياء الأرض بعد موتها بالماء، على حتمية البعث والنشور بعد فناء الأجساد وتفرقها في التراب.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 448)جامع البيانالطبري٢٠/٤٤٨: «يقول تعالى ذكره: والله الذي بعث الرياح ونشرها برحمته، فتزعج السحاب وتبسطه في جو السماء، فسقنا ذلك السحاب بالماء المحمول فيه إلى أرض جدبة يابسة لا نبات فيها ولا كلاء، فأحيينا بماء ذلك السحاب الأرض الميتة بإنبات الزرع والعشب والثمار بعد يبسها، كما أحيينا هذه الأرض الميتة بالماء فأنبتت، كذلك يحيي الله الموتى من قبورهم يوم القيامة فينشرهم للحساب».
وروى ابن أبي حاتم والطبري بسندهما عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «إن الله يرسل ماءً كمنيّ الرجال فينبتون في قبورهم كما تنبت الأرض بالمطر»، ثم قرأ عبد الله: {فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَٰلِكَ النُّشُورُ}.
وثبت في «صحيح مسلم» (رقم 2955)صحيح مسلممسلمحديث رقم ٢٩٥٥ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في حديث طويل عن الدجال والقيامة، قال رسول الله ﷺ: «... ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل، ليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظماً واحداً وهو عجب الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَاللَّهُ}: الواو استئنافية، اسم الجلالة مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
{الَّذِي}: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ.
{أَرْسَلَ}: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل مستتر تقديره هو، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{الرِّيَاحَ}: قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي وحفص {الرِّيَاحَ} بالجمع، وقرأ نافع وأبو بكر عن عاصم «الرِّيحَ» بالإفراد. والمفعول به منصوب بالفتحة.
{فَتُثِيرُ}: الفاء عاطفة تفيد الترتيب والتعقيب، «تثير» فعل مضارع مرفوع بالضمة، والفاعل مستتر تقديره هي، والمضارع لاستحضار الصورة الحية لكيفية تحريك الرياح للسحاب ورفعه.
{سَحَابًا}: مفعول به منصوب بالفتحة، وهو اسم جنس جمعي.
{فَسُقْنَاهُ}: الفاء عاطفة، «سقنا» فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بنا الفاعلين، و«نا» ضمير متصل فاعل (نون العظمة)، والهاء مفعول به يعود على السحاب، وفيه التفات من الغيبة في {أَرْسَلَ} إلى التكلم بالعظمة في {فَسُقْنَاهُ}.
{إِلَىٰ بَلَدٍ}: جار ومجرور متعلق بـ {سُقْنَاهُ}.
{مَّيِّتٍ}: نعت لـ {بَلَدٍ} مجرور بالكسرة، وقرأ الجمهور بتشديد الياء المكسورة {مَيِّتٍ}، وقرأ نافع وأبو جعفر بتخفيف الياء الساكنة «مَيْتٍ».
{فَأَحْيَيْنَا}: الفاء عاطفة، «أحيينا» فعل ماض وفاعله «نا» العظمة.
{بِهِ}: جار ومجرور متعلق بـ {أَحْيَيْنَا}، والباء للسببية، والضمير يعود على الماء المفهوم من السحاب أو على السحاب باعتبار مائه.
{الْأَرْضَ}: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
{بَعْدَ مَوْتِهَا}: «بعد» ظرف زمان متعلق بـ {أَحْيَيْنَا} وهو مضاف، و«موتها» مضاف إليه والهاء مضاف إليه، والموت هنا مجازي وهو الجدب واليبوسة التامة.
{كَذَٰلِكَ}: الكاف حرف تشبيه وجر، «ذا» اسم إشارة مبني في محل جر، واللام للبعد والكاف للخطاب، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم.
{النُّشُورُ}: مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة؛ أي: كإحياء هذه الأرض الميتة بالماء يكون نشور الأموات من قبورهم. والنشور: الانتشار والخروج من الأرض بعد الموت أحياءً.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
بعد أن ذكر في الآيات السابقة كفر المكذبين وتزيين سوء أعمالهم وحسرة النبي عليهم، أقام هنا برهاناً حسياً قاطعاً على القضية الكبرى التي كفروا بها وأنكروها وهي «البعث بعد الموت».
استخدام ظاهرة كونية يشهدها كل إنسان بعينيه في كل عام؛ وهي نزول المطر على التراب الهامد فينقلب حياً نضراً بالأزهار والنباتات، فإذا كانت القدرة الإلهية تفعل ذلك في جماد الأرض، فكيف يستبعد العقل إعادة الأجساد بعد فنائها؟
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة استحالة إعادة الأجساد البالية بعد التحلل في التراب: زعم المشركون والملاحدة أن العظام إذا نخرت وتفرقت ذراتها في الهواء والأرض استحال جمعها وإعادتها حية.
رد الشبهة بالمحاكمة العقلية والتجريبية: بيّن القرآن أن إحياء الموات سنة مطردة في الكون مشهودة بالعيان؛ فالأرض تكون قاعاً صفصفاً يابسة كالميت تماماً، فإذا أصابها الماء اهتزت وربت وأخرجت من كل زوج بهيج، والفاعل في الصورتين واحد وهو الله القادر المطلق، والقياس العقلي يقرر أن من قدر على إحياء الأرض بالماء قادر على جمع ذرات الإنسان وإحيائه بالنشور؛ إذ لا فرق في منطق العقل بين الصورتين، والتفريق بينهما تحكم بلا دليل.
الالتفات البديع من الغيبة إلى التكلم: قال أولاً: {وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ} بضمير الغيبة، ثم قال: {فَسُقْنَاهُ... فَأَحْيَيْنَا} بنون العظمة؛ لإظهار العناية الإلهية المباشرة بالسوق والإحياء وإبراز عظمة التدبير وامتنان المنعم.
العدول إلى صيغة المضارع في {فَتُثِيرُ}: لاستحضار المشهد العجيب في حركة الرياح وتصعيدها للسحاب الهائل الثقيل، كأن السامع يراه رأي عين.
الاستعارة في {بَلَدٍ مَّيِّتٍ} و{مَوْتِهَا}: تشبيه الجدب واليبس بالموت، وتشبيه الإنبات بالحياة؛ لتقريب صورة البعث إلى الأذهان بحس مشترك.
التشبيه المجمل المؤكد في {كَذَٰلِكَ النُّشُورُ}: إيجاز حاسم يربط بين عالم الشهادة وعالم الغيب برباط الحجة البرهانية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تربية النظر والتأمل الكوني: توجيه المؤمن إلى النظر في تقلبات الفصول ونزول الأمطار نظرة تدبر إيمانية تتجاوز الرصد المادي إلى استشعار قدرة المحيي المميت الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
ترسيخ اليقين باليوم الآخر: كل قطرة مطر تسقط وكل نبتة تخضر ينبغي أن تذكر العبد بمصيره المحتوم ووقوفه بين يدي ربه يوم النشور، فيستعد لذلك اللقاء بالزاد الصالح.