دعوة للنظر في مصارع الغابرين والاعتبار بآثار الحضارات البائدة التي استكبرت وبغت وكانت أشد قوة وأعظم بطشاً من قريش، فدمرها الله بعذابه، وتقرير لعزة الله وقدرته المطلقة التي لا يعجزها شيء في ملكوته.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 515)جامع البيانالطبري٢٠/٥١٥: «يقول تعالى ذكره: أولم يسر هؤلاء المكذبون من مشركي قريش في بلاد الشام واليمن ومشارف الأرض، فينظروا بأعينهم وقلوبهم كيف كانت عاقبة الأمم السابقة التي كذبت الرسل من قبلهم كعاد وثمود وقوم لوط، كيف أهلكناهم وجعلنا ديارهم خراباً خاوية؟! وقد كان أولئك الهالكون أشد بأساً وقوة وأجساماً وأموالاً من قريش، فلم تنفعهم قوتهم ولم تمنعهم من عذابنا، وما كان الله ليفوته شيء، أو يمتنع عليه أمر، أو يعجزه هارب في السماوات ولا في الأرض؛ لأنه محيط بكل شيء، إنه كان عليماً بأفعال خلقه ومكائدهم، قديراً على إهلاكهم ونصر رسله».
وقال قتادة: «ساروا في مساكن عاد وثمود ورأوا مصارعهم وآثار الدمار في ديارهم، فما أغنت عنهم قوتهم حين جاء أمر ربك».
وقال ابن كثير: «أي ينظروا ما آل إليه أمر الذين كذبوا الرسل من الأمم السالفة، وكانوا أشد منهم قوة وأكثر أموالاً وأولاداً وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها، فما أجدى ذلك عنهم شيئاً لما جاء بأس الله، وما كان ليعجزه هارب في ملكوته».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فِي السَّمَاوَاتِ}: متعلق بمحذوف نعت لـ {شَيْءٍ}.
{وَلَا فِي الْأَرْضِ}: معطوف مماثل له؛ لاستيعاب جميع أرجاء الملكوت.
{إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا}: جملة تذييلية مؤكدة ومعللة، {عَلِيمًا}: خبر كان أول، المحيط بكل الخفايا فلا يفوته شيء، {قَدِيرًا}: خبر ثانٍ، القاهر لكل المخلوقات فلا يمتنع عليه شيء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم متصل بسنة الأولين المذكورة في الآية السابقة؛ فلما قال: {فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ}، وجّههم هنا إلى الدليل الحسي المشهود في أرض الواقع: {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ}.
التدرج الإلزامي: قريش تسير في رحلتي الشتاء والصيف وتمر على ديار مدين وثمود وحجر صالح وقرى سدوم وترى أطلالهم الهالكة، فإذا كانت تلك الأمم الأشد قوة قد أُبيدت، فقريش أهون وأضعف.
ثم أتبع ذلك بالقاعدة الكلية المانعة لكل وهم: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الاغترار بالتفوق المادي والعسكري: تظن الحضارات المستكبرة في كل عصر أن قوتها العسكرية وتكنولوجيتها واقتصادها يحميها من سنن الانهيار الإلهية.
رد الشبهة بالمحاكمة التاريخية والأنطولوجية: واجهت الآية هذا الغرور بحقيقة تاريخية قاطعة؛ فالأمم البائدة كانت أعظم عمارة وأشد بطشاً بالأبدان والسلاح والآثار: {وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً}، فما أغنت عنهم حصونهم ولا أسلحتهم حين جاء أمر الله؛ لأن القوة المادية مخلوقة ومحدودة، وقدرة الله محيطة قاهرة لا يعجزها شيء، فكل حضارة تطغى وتكذب مصيرها إلى الدمار وزوال العزة إن عاندت أمر خالقها.
لام الجحود في {لِيُعْجِزَهُ} وزيادة «من» في {مِن شَيْءٍ}: أعلى درجات المبالغة في نفي العجز والفوت عن ساحة القدرة الإلهية؛ فليس في الكون كله شيء صغير أو كبير يمتنع عليه سبحانه.
الجملة الحالية المعترضة في {وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً}: لكسر كبرياء المخاطبين وتصغير شأنهم؛ فالأقوى هلك، فالأضعف أولى بالهلاك إن كفر.
اقتران صفتي {عَلِيمًا قَدِيرًا} في الختام: لأن العجز في المخلوق ينشأ إما عن جهل بمكان المطلوب أو عن ضعف في القدرة على تناوله، فإذا اتصف الإله بالكمال في العلم والكمال في القدرة امتنع عجزه قطعاً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحويل السياحة والسير في الأرض إلى عبادة واعتبار: المسلم لا يسير في الأرض لمجرد النزهة الغافلة أو التقاط الصور التذكارية للأطلال، بل يسير بقلب واعٍ متدبر يقرأ سنن الله في الحضارات ويأخذ العبرة من مصارع الطغاة.
الاطمئنان لعظمة الله وانكسار النفوس أمامه: استشعار أن الله لا يعجزه شيء في هذا الوجود يسكب في قلب المؤمن شجاعة لا تنثني، وثقة مطلقة بنصر دينه، ورهبة تامة من عصيانه.