كشف عن كرم الله المطلق في معاملة أصحاب التجارة الرابحة؛ بتوفيتهم أجور أعمالهم كاملة غير منقوصة، ومضاعفة الثواب من فيض فضله وإحسانه، وتذييل ذلك بصفتي المغفرة والشكر الرباني.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 482)جامع البيانالطبري٢٠/٤٨٢: «يقول تعالى ذكره: فعلوا ذلك يرجون تجارة لن تبور، ليعطيهم الله ثواب أعمالهم وافياً تاماً لا ينقصهم منه شيئاً، ويزيدهم على أجور أعمالهم من فضله وإحسانه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر؛ إنه غفور لذنوبهم وسيئاتهم ساتر لها، شكور لأعمالهم الصالحة القليلة يثيبهم عليها الجزاء العظيم الوافر».
وقال ابن كثير: «{لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ}: أي ثواب ما فعلوه من الطاعات، ويضاعف لهم بالزيادات التي لم تخطر لهم على بال، {إِنَّهُ غَفُورٌ}: لزلاتهم، {شَكُورٌ}: لقليل حسناتهم فينميها ويعظمها».
ثبت في «صحيح البخاري» (رقم 1410)صحيح البخاريالبخاريحديث رقم ١٤١٠ و«صحيح مسلم» (رقم 1014)صحيح مسلممسلمحديث رقم ١٠١٤ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب -ولا يقبل الله إلا الطيب- فإن الله يتقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبه كما يربي أحدكم فلوّه حتى تكون مثل الجبل».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{لِيُوَفِّيَهُمْ}: اللام لام التعليل متعلقة بـ {يَرْجُونَ} أو بمحذوف تقديره فعل الله ذلك بهم، «يوفي» فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل بالفتحة الظاهرة، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على الله تعالى، والهاء ضمير متصل مفعول به أول، والميم للجمع. وتوفية الأجر: إعطاؤه تاماً كاملاً بلا بخس.
{أُجُورَهُمْ}: مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة، والهاء مضاف إليه.
{وَيَزِيدَهُم}: الواو عاطفة، «يزيد» مضارع منصوب معطوف على «يوفي»، والفاعل مستتر والهاء مفعول به أول.
{مِّن فَضْلِهِ}: متعلق بـ {يَزِيدَهُم}، والهاء مضاف إليه، والمفعول الثاني محذوف تقديره «ثواباً أو عطاءً»، والفضل هو العطاء الزائد عن مقدار العمل واستحقاقه.
{إِنَّهُ}: حرف توكيد ونصب، والهاء ضمير متصل اسمها.
{غَفُورٌ}: خبر أول مرفوع بالضمة، صيغة مبالغة للمغفرة السابغة.
{شَكُورٌ}: خبر ثانٍ مرفوع بالضمة الظاهرة، صيغة مبالغة؛ والشكور في صفات الله تعالى هو الذي يشكر اليسير من طاعة عباده فيثيبهم عليه الجزاء الكثير، ويعطي الجزيل على العمل القليل، ولا يضيع سعي أحد.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص هو الغاية المترتبة على الآية السابقة؛ فلما ذكر قيامهم بالطاعات ورجاءهم للتجارة التي لن تبور، بيّن هنا العطاء الرباني المقابل:
إفاضة الزيادات التي لا حد لها: {وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ} (مقام الفضل والجود).
ثم كان التذييل بالصفتين الجليلتين {غَفُورٌ شَكُورٌ} في غاية الإحكام والتناسب؛ لأن العبد في سيره إلى الله بين خطأ وتقصير يحتاج إلى «الغفور»، وبين عمل يسير يحتاج إلى «الشكور» لينميه ويرفعه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة استحقاق العبد للأجر على الله بذاته: قد يتوهم المتفلسفة أن العبد يستحق الأجر على الله وجوباً واستقلالاً كأجير الدنيا.
رد الشبهة والتحقيق العقدي السلفي: أوضح أهل السنة أن العبد لا يدخل الجنة بمجرد عمله استحقاقاً ذاتياً، كما ثبت في الصحيحين: «لن يدخل أحداً منكم عمله الجنة، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل»، فتسمية الثواب «أجراً» وتوفيته للعباد إنما هو من باب التفضل الإلهي وإيجاب الله على نفسه بفضله ووعده الصادق إكراماً لعباده، ثم أتبع ذلك بقوله {وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ} لتقرير أن النعيم المقيم ليس مكافئاً لأعمال العباد القصيرة في الدنيا، بل هو من فيض فضل الغفور الشكور.
المقابلة بين التوفية والزيادة: {لِيُوَفِّيَهُمْ} للمطابقة، و{وَيَزِيدَهُم} للمضاعفة الإحسانية؛ مما يؤكد أن التعامل مع الله قائم على الربح الخالص بلا قيد.
التنكير في المفعول المحذوف لـ {مِّن فَضْلِهِ}: لتعظيم هذا الفضل وتجاوزه لحدود الحصر والتصور الإنساني.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استشعار شكر الله للعبد الصالح: ما أعظم أن يعلم المؤمن الضعيف أن ربه ومولاه «شكور»؛ يقبل منه الركعتين في جوف الليل، والدرهم يتصدق به، والكلمة الطيبة يقولها، فيشكر له ذلك ويرفعه به درجات في الفردوس الأعلى!
الجمع بين الاستغفار والعمل: المؤمن لا يغتر بعمله بل يستحضر اسم ربه «الغفور» مستغفراً من تقصيره وخلله في الصلاة والتلاوة، ومستحضراً اسم ربه «الشكور» راجياً القبول والزيادة من فضله.