أعظم برهان على دوام قيومية الله وتدبيره المستمر للكون؛ يمسك السماوات والأجرام العظيمة والأرض أن تضطرب أو تسقط أو تزول عن مداراتها، وبيان حلمه وغفرانه في عدم تعجيل العقوبة لمن كفر به وأشرك.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 509)جامع البيانالطبري٢٠/٥٠٩: «يقول تعالى ذكره: إن الله بقدرته العظمى وسلطانه يقيم السماوات والأرض في جو الفضاء ويمسكهما كراهة أن تزولا عن مواضعهما التي خلقهما فيها فتفسدا وتفنيا؛ ولئن زالتا عن مواضعهما واضطربتا، ما يقدر على إمساكهما وحفظهما أحد من خلقه من بعده، إنه كان حليماً عن عقوبة أهل الكفر به لا يعاجلهم بالنقمة، غفوراً لذنوب من تاب منهم وأناب».
روى البخاري في «صحيحه» (رقم 4811)مصدر غير محددحديث رقم ٤٨١١ ومسلم (رقم 2786)مصدر غير محددحديث رقم ٢٧٨٦ من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: جاء حبر من اليهود إلى رسول الله ﷺ فقال: «يا محمد، إنا نجد أن الله يجعل السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، فيقول: أنا الملك»، فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه تصديقاً لقول الحبر، ثم قرأ رسول الله ﷺ: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ}.
وقال ابن كثير: «يمسك السماوات والأرض أن تزولا بقدرته، كما قال: {وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ}، ولئن فُرض زوالهما لم يقدر أحد على حفظهما سواه، ومع هذا الشرك والبهتان يرزقهم ويحلم عليهم ويؤخر عقابهم، فإنه كان حليماً غفوراً».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{إِنَّ}: حرف توكيد ونصب.
{اللَّهَ}: اسم «إن» منصوب بالفتحة الظاهرة.
{يُمْسِكُ}: فعل مضارع مرفوع بالضمة، والفاعل مستتر تقديره هو، والجملة في محل رفع خبر «إن»، والإمساك: الحفظ والمنع من السقوط والاضطراب.
{السَّمَاوَاتِ}: مفعول به منصوب بالكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم.
{وَالْأَرْضَ}: معطوف منصوب بالفتحة.
{أَن تَزُولَا}: «أن» مصدرية ناصبة، «تزولا» مضارع منصوب بحذف النون والألف فاعل، والمصدر المؤول في محل نصب مفعول لأجله بتقدير «كراهة أن تزولا» أو «خشية أن تزولا»، أو منصوب بنزع الخافض؛ أي من أن تزولا. والزوال: التنحي عن الموضع والانعدام والاضطراب.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم الإلهي يرتبط ارتباطاً بديعاً بأول السورة؛ فالسورة افتتحت بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} وهو ابتداء الخلق والاختراع، وجاءت هذه الآية لتقرر «دوام حفظ هذا الوجود» وإمساكه عن الزوال والاضطراب: {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا}.
ثم كان التذييل بصفتي {حَلِيمًا غَفُورًا} في غاية الإعجاز؛ إذ بعد بيان عظمة قدرته في إمساك هذا الكون الهائل، بيّن حلمه العظيم على هؤلاء المشركين الذين يبارزونه بالشرك والبهتان تحت سمائه وفوق أرضه، ولا يعاجلهم بالخسف أو الإطباق، بل يحلم ويغفر لمن تاب.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة القوانين الفيزيائية الذاتية (الجاذبية وحركة الأفلاك): يزعم الماديون والملحدون أن تماسك الكون ناتج عن قوانين الجاذبية وقوى المادة الذاتية بلا حاجة لخالق مدبر.
رد الشبهة بالمحاكمة العقلية والعلمية: تقرر الآية أن هذا الإمساك هو فعل الله المستمر؛ فالقوانين والسنن الفيزيائية (كالجاذبية والروابط الذرية ومدارات الكواكب) ليست آلهة مستقلة ولا ذوات تخلق نفسها، بل هي «أدوات التسخير الإلهي» التي أودعها فاطر السماوات والأرض لحفظ هذا البناء، ولو شاء الله لسلب هذه القوانين فاعليتها لانهار الكون في لحظة طرفة عين، فالاستدلال بالقانون على غياب واضع القانون جهل وسفاهة عقلية؛ إذ كل نظام محكم يستلزم بالضرورة الفاعل العليم القدير الذي يمسكه ويدبره في كل آن.
الجملة الاسمية المصدرة بـ {إِنَّ} والفعل المضارع {يُمْسِكُ}: لإفادة تجدد الإمساك واستمراره في كل لحظة ونَفَس؛ فالكون مفتقر إلى حفظ ربه أزلاً وأبداً.
التوكيد بالقسم ونفي «إن» مع «من» الزائدة: في قوله: {وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ}؛ نفي قاطع مسور بكل أدوات التوكيد لبيان عجز الخلائق قاطبة عن صيانة ذرة في ملكوت الله.
التناسب البديع في التذييل بـ {حَلِيمًا غَفُورًا}: مناسبة للسياق؛ لأن كفر العباد يقتضي أن تخر السماوات هداً وتنشق الأرض، ولكن حلمه وغفرانه يمسكها رحمة بالخلائق وإمهالاً للعصاة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
شهود القيومية الإلهية في كل لحظة: أن يتأمل المؤمن السماء المرفوعة بغير عمد والأرض المستقرة، فيستشعر قيومية ربه وحفظه المستمر، ويمتلئ قلبه خضوعاً وخشوعاً لمن يمسك هذا الوجود الهائل بكلمة وأمر.
الحياء من حلم الله وسعة مغفرته: أن يخجل العبد من مبارزة الله بالذنوب وهو يتقلب في أرضه ويستظل بسمائه المحفوظة بحلمه، فيبادر إلى الاستغفار والتوبة قبل أن يحل به الأجل.