تصوير صوتي وحركي مروع لاستغاثة أهل النار وصراخهم الشديد طلباً للرجعة إلى الدنيا للعمل الصالح، والجواب الإلهي التوبيخي القاطع بقطع معذرتهم بإعطائهم فسحة العمر الكافية ومجيء النذير إليهم.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 500)جامع البيانالطبري٢٠/٥٠٠: «يقول تعالى ذكره: وهؤلاء الكفار يصرخون في نار جهنم صراخاً شديداً يستغيثون ويتضرعون من شدة ما يلقون من العذاب قائلين: يا ربنا أخرجنا من هذه النار وردنا إلى الدنيا نعمل عملاً صالحاً يرضيك نطيعك فيه، غير العمل السيئ الذي كنا نعمله في الدنيا من الشرك والمعاصي. فيجيبهم الله تعالى موبخاً ومقرراً للحجة عليهم: أولم نمدّ في أعماركم في دار الدنيا زمناً كافياً يتذكر فيه من كان يريد التذكر والاتعاظ، وجاءكم النذير ينذركم عقاب هذا اليوم؟! فذوقوا اليوم عذاب النار، فما للظالمين من ناصر ينصرهم ولا مجير ينقذهم من بأس الله».
واختلف السلف في مقدار العمر المذكور في قوله: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ}:
روى البخاري في «صحيحه» (رقم 6419)مصدر غير محددحديث رقم ٦٤١٩ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «أعذر الله إلى امرئ أخّر أجله حتى بلّغه ستين سنة».
وقال علي بن أبي طالب وابن عباس وقتادة والحسن: «العمر الذي عذر الله فيه إلى ابن آدم هو ستون سنة». وقيل أربعون سنة لبلوغ الأشد فيها، وقيل سن التكليف والبلوغ (ثمانية عشر عاماً).
وفي قوله: {وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ}: قال ابن عباس والجمهور: هو النبي محمد ﷺ. وقيل: القرآن والكتب السماوية، وقيل: الشيب يغزو الرأس فيذكر بدنو الأجل، والصحيح أنه يعم الرسل وما جاءوا به من الآيات والشيب معاً.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{مِن نَّصِيرٍ}: «من» زائدة لتأكيد النفي، «نصير» مبتدأ مؤخر (أو اسم ما) مجرور لفظاً مرفوع محلاً.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا المشهد يعكس قمة الذل والانكسار لأهل الاستكبار؛ فبعد أن كانوا في الدنيا يمكرون السيئات ويستكبرون على الرسل، ها هم في قعر جهنم يصطرخون صراخ العاجز المنكسر طلباً للرجعة.
مجيء الرد الإلهي بأسلوب الاستفهام التقريري التوبيخي: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم...}؛ لإسقاط كل حجة ومعذرة، ببيان أن الله وفّر لهم في الدنيا شرطين حاسمين لإقامة الحجة:
فإذا تعطلت الاستجابة مع توافر الشرطين، لم يبق إلا العدل الإلهي الحاسم: {فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة طلب الفرصة الثانية للنجاة: يستغيث أهل النار بطلب العودة إلى الدنيا ليبرهنوا على صدق إيمانهم وصلاح أعمالهم.
رد الشبهة بالمحاكمة العقلية والقرآنية: بين الله تعالى في سورة الأنعام كذب هذه الدعوى وأنها رجاء كاذب ناشئ عن معاينة العذاب لا عن يقين واستقامة: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}، كما أن الحكمة الإلهية من دار الابتلاء قائمة على الإيمان بالغيب؛ فإذا كُشف الغطاء وعاينوا العذاب بطل معنى التكليف، ومطالبتهم بالرجعة بعد استيفاء العمر ونزول النذير مغالطة مفضوحة قطعتها الآية بحكم نهائي: {فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ}.
الصيغة الصوتية في {يَصْطَرِخُونَ}: تفخيم الصوت بالصاد والطاء والراء والخاء ينقل للسامع صورة حية لضجيج البكاء والزفير والشهيق المتقطع من هول الحريق.
الاعتراف الضمني في قوله {غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ}: إقرار باطلهم بألسنتهم واعتراف بأن كل ما قدموه في الدنيا كان فساداً وشراً يستوجب التبرؤ منه.
الاستعارة التهكمية في {فَذُوقُوا}: استعارة الذوق للإحساس بالعذاب إشعاراً بتغلغل ألمه في كل حاسة وجارحة.
التنكير في {مِن نَّصِيرٍ} وزيادة «من»: لقطع أي أمل في وجود أي معين أو شفيع أو دافع يرفع عنهم قطرة من العذاب.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استدراك العمر قبل فوات الأوان: من أعظم النعم التي يفرط فيها الإنسان «نعمة الوقت والعمر»؛ فكل يوم يعيشه المسلم هو فرصة للتذكر والإنابة، وإذا بلغ العبد الأربعين أو الستين فقد أعذر الله إليه وقامت عليه الحجة التامة، فالواجب تجديد التوبة واستدراك ما فات.
الاعتبار بإنذار الشيب والمرض: أن ينظر الإنسان إلى بياض شعره وضعف قوته على أنه «نذير» صامت يناديه بأن شمس العمر تؤذن بالمغيب، فليستعد للقاء ربه بصالح العمل.