تأكيد لمبدأ التأسي برسل الله الكرام، واستعراض للوسائل والبراهين العظمى التي أيد الله بها رسله؛ من المعجزات الباهرات، والصحف المكتوبة، والكتب السماوية المضيئة بالحق، ومع ذلك كُذبوا فقابلوا التكذيب بالصبر.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 474)جامع البيانالطبري٢٠/٤٧٤: «يقول تعالى ذكره: وإن يكذبك يا محمد هؤلاء المشركون من قومك، فقد كذبت الأمم السالفة من قبلهم رسلهم؛ كقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط، وقد جاءت أولئك الأمم رسلهم بالبينات وهي المعجزات الواضحات والدلائل القاطعات، وبالزبر وهي الكتب المزبورة المكتوبة مثل صحف إبراهيم وموسى وزبور داود، وبالكتاب المنير كالتوراة والإنجيل المضيء للحق الكاشف للظلمات، فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل».
وقال ابن كثير: «أي بالمعجزات الباهرات والحجج القاطعات الواضحات، وبالكتب المكتوبة الحاوية للحكم والأحكام والشرائع، فما منعهم وضوح الحجة ولا جلالة الكتب من التكذيب؛ لعتوهم وظلمهم».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَإِن}: الواو استئنافية، «إن» شرطية جازمة.
{يُكَذِّبُوكَ}: فعل الشرط مضارع مجزوم بحذف النون، والواو فاعل، والكاف مفعول به.
{فَقَدْ}: الفاء رابطة لجواب الشرط، «قد» حرف تحقيق.
{كَذَّبَ}: فعل ماض مبني على الفتح.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني في محل رفع فاعل «كذب».
{بِالْبَيِّنَاتِ}: الباء للمصاحبة والتعدية، الجار والمجرور متعلق بـ {جَاءَتْهُمْ}، والبينات: جمع بينة؛ وهي الحجة الظاهرة والمعجزة الباهرة المفصلة للحق عن الباطل.
{وَبِالزُّبُرِ}: معطوف مجرور، والزبر جمع زبور، وهو الكتاب المزبور؛ أي المكتوب بالخط والتدوين المحكم، مأخوذ من زبرت الكتاب إذا كتبته ووثقته.
{وَبِالْكِتَابِ}: معطوف مجرور بالكسرة.
{الْمُنِيرِ}: نعت للكتاب مجرور بالكسرة، واسم فاعل من أنار ينير؛ أي المضيء المشرق في بيانه وأحكامه وأنواره العقدية والأخلاقية.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تتطابق هذه الآية وتتكامل مع الآية الرابعة في مطلع السورة: {وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ}، ولكنها جاءت هنا بزيادة تفصيل وتعميق لشناعة فعل المكذبين؛ فبينت أن تكذيبهم لم يكن عن جهل أو نقص في البيان، بل كذبوا بعد أن جاءتهم الرسل بالبينات الثلاثية المتكاملة: المعجزات المشهودة، والكتب المدونة، والتشريعات المنيرة الواضحة.
هذا التدرج النظمي يمهد للعقوبة الصاعقة التي أعلنها في الآية اللاحقة: {ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا ۖ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة أن التكذيب سببه غموض الحجة أو عسر فهمها: يزعم المعاندون أنهم لم يؤمنوا لأن الأدلة لم تكن كافية أو كانت ملتبسة.
دحض الشبهة بالمحاكمة التاريخية والبيانية: فصّلت الآية تنوع الحجج التي جاءت بها الرسل؛ فمنها البينات الحسية العقلية المباشرة ({بِالْبَيِّنَاتِ})، ومنها السجلات والرقائق المكتوبة للتوثيق والحفظ ({بِالزُّبُرِ})، ومنها النظم التشريعية الهادية الكاشفة للظلمات ({بِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ})، فاجتمعت كل أدوات الإقناع واليقين العقلي والنقلي والحسي، فثبت أن التكذيب إنما كان عن استكبار وعناد واتباع للهوى لا عن خفاء في الدليل.
عطف الخاص على العام والتنويع الاحتراسي: عطف {الزُّبُرِ} و{الْكِتَابِ الْمُنِيرِ} على {الْبَيِّنَاتِ}؛ لإبراز شرف الكتب السماوية وعظيم أثرها التشريعي، فالرسل أيدوا بالخوارق الحسية والشرائع التدوينية.
الوصف بـ {الْمُنِيرِ}: استعارة تصريحية أو مكنية للوضوح والبيان؛ فالكتاب السماوي كالمصباح الوهاج أو الشمس المشرقة التي تبدد كل ريب وتكشف دروب السلامة.
تكرار حرف الجر «الباء» في المعطوفات: {بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ}؛ للتأكيد على استقلال كل صنف من هذه البراهين بقوته وإعجازه في الدلالة على الحق.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
العناية بتنويع أساليب الاستدلال: على الداعية أن يقتدي بسنة الرسل في الجمع بين البراهين العقلية، والشواهد النقلية الموثقة، والبيان المشرق النير الذي يخاطب العقل والوجدان معاً.
اليقين بأن الحق لا يُرد لضعفه بل لفساد القلوب: يمنح هذا التأصيل المؤمن ثباتاً على دينه؛ فإذا رأى من يهاجم القرآن أو يستهزئ بالشرائع علم أن ذلك شأن أهل الضلال مع أنوار الوحي في كل عصر، فلا يزيده ذلك إلا استمساكاً بنور الكتاب المنير.