عرض مستقصٍ ومحيط لدلائل القدرة والإحاطة الإلهية في خلق الإنسان وأطواره، وعلمه المحيط بأدق تفاصيل الأرحام والآجال المقدرة في اللوح المحفوظ.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 455)جامع البيانالطبري٢٠/٤٥٥: «يقول تعالى ذكره: والله ابتدأ خلق أصلكم يا معشر بني آدم وهو أبوكم آدم من تراب، ثم جعل نسله من نطفة مهينة من ماء دافق، ثم جعلكم أصنافاً ذكوراً وإناثاً أزواجاً، وما تحمل أنثى من جنين في بطنها ولا تضع ولدها إلا بعلم الله المحيط؛ لا يخفى عليه ذكر هو أم أنثى، تام أم ناقص، وما يزاد في عمر إنسان فيطول، ولا ينقص من عمره فيقصر، إلا وهو مثبت في كتاب عند الله وهو اللوح المحفوظ قبل أن تخلق السماوات والأرض، إن ذلك الخلق والإحصاء والتقدير على الله هين يسير».
القول الأول: قال سعيد بن جبير والسدي وقتادة: هو للإنسان الواحد يكتب في الكتاب: «عمره ستون سنة»، فكلما مضى يوم أو عام نُقص من عمره المكتوب، فالمعنى: ولا ينقص من عمر ذلك المعمر إلا في كتاب قد أحصاه الله.
القول الثاني: قال ابن عباس والضحاك والحسن: المراد به الجنسان؛ رجل يكتب له عمر طويل فيعمر، ورجل يكتب له عمر قصير فينقص من عمره عن عمر المعمر الآخر، وكل ذلك مقدر في اللوح المحفوظ.
ثبت في «صحيح البخاري» (رقم 2067)صحيح البخاريالبخاريحديث رقم ٢٠٦٧ و«صحيح مسلم» (رقم 2557)صحيح مسلممسلمحديث رقم ٢٥٥٧ من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من سرّه أن يُبسط له في رزقه، ويُنسأ له في أثره، فليصل رحمه». وقد بيّن أئمة التحقيق كالنووي وابن تيمية وابن حجر أن الزيادة والنقصان في الأثر تكون بالنسبة لما في صحف الملائكة المعلقة على الأسباب، أما ما في اللوح المحفوظ فهو محيط بكل شيء لا يتغير.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَاللَّهُ}: الواو استئنافية، اسم الجلالة مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
{خَلَقَكُم}: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو، والكاف ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به، والميم للجمع، والجملة خبر المبتدأ.
{مِّن تُرَابٍ}: جار ومجرور متعلق بـ {خَلَقَكُم}؛ أي خلق أصلكم آدم من تراب.
{ثُمَّ}: حرف عطف يفيد التراخي الرتبي والزمني.
{مِن نُّطْفَةٍ}: جار ومجرور معطوف على «من تراب»؛ والنطفة هي الماء القليل، والمراد المني.
{ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا}: «ثم» عاطفة، «جعل» فعل ماض، والكاف مفعول به أول، و{أَزْوَاجًا}: مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة؛ أي أصنافاً ذكوراً وإناثاً، أو يزوج بعضكم بعضاً.
{وَمَا تَحْمِلُ}: الواو عاطفة أو استئنافية، «ما» نافية، «تحمل» فعل مضارع مرفوع بالضمة.
{مِن مُّعَمَّرٍ}: «من» زائدة للاستغراق، {مُّعَمَّرٍ}: نائب فاعل مجرور لفظاً مرفوع محلاً، وهو اسم مفعول من عمّره الله إذا أطال عمره.
{وَلَا يُنقَصُ}: معطوف على «يعمر» مبني للمجهول ونائب الفاعل مستتر.
{مِنْ عُمُرِهِ}: متعلق بـ {يُنقَصُ}، والهاء مضاف إليه.
{إِلَّا فِي كِتَابٍ}: «إلا» أداة حصر، «في كتاب» جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر أو حال؛ أي إلا وهو مثبت مدوّن في اللوح المحفوظ.
{إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ}: جملة تذييلية مقررة، {إِنَّ}: حرف توكيد ونصب، {ذَٰلِكَ}: اسم «إن»، {عَلَى اللَّهِ}: متعلق بـ {يَسِيرٌ}، و{يَسِيرٌ}: خبر «إن» مرفوع بالضمة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
لما قرر في الآية السابقة أن مكر الكافرين يبور وأن الكلم الطيب يصعد إلى الله، نقل الخطاب إلى آيات الأنفس التكوينية؛ ليبين للإنسان عجزه التام وضعفه في مبتدأ خلقه ونهايته، وأن وجوده كله مقدر في كتاب لا يملك فيه لنفسه نفعاً ولا ضراً.
التدرج البديع في أطوار الخلقة: من الجماد (التراب)، إلى السائل الحيوي (النطفة)، إلى التمايز الجنسي والاجتماعي (أزواجاً)، إلى أدق خفايا البيولوجيا (الحمل والوضع)، إلى الامتداد الزمني للوجود البشري (التعمير ونقص الأعمار)، وختام ذلك ببيان سهولة هذا الضبط المحكم على القدرة الإلهية: {إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التعارض بين القدر المكتوب وأحاديث صلة الرحم وزيادة العمر: يتساءل البعض: كيف يُكتب العمر في اللوح المحفوظ ثم يقال إن صلة الرحم تزيد في العمر أو الدعاء يرد القدر؟
حل الإشكال والمحاكمة العقدية: أجاب أئمة السنة والتحقيق (كابن تيمية وابن حجر) بأن القضاء نوعان:
قضاء مبرم في اللوح المحفوظ وعلم الله الأزلي: وهذا لا تبديل فيه ولا تغيير قط؛ فقد كتب الله فيه أن فلاناً يصل رحمه فيعيش ثمانين سنة، وأن فلاناً يقطعها فيعيش ستين، فعلمه الأزلي محيط بالسبب والمسبب معاً.
قضاء معلق في صحف الملائكة: كأن يكتب الملك: «عمر فلان ستون، فإن وصل رحمه فثمانون»، فالزيادة والنقصان بالنسبة لعلم الملك وما يظهر للناس، أما اللوح المحفوظ فقد علم الله أزلاً ما سيختاره العبد وما سينتهي إليه أمره، فلا تعارض بين القدر المكتوب وأسباب البر.
التدرج بـ {ثُمَّ}: لإفادة التراخي والارتقاء من الخسة والجمود في التراب إلى اللطافة والحياة في النطفة، ثم إلى الأنس والتكامل في الزوجية.
العموم والاستغراق بـ {مِنْ أُنثَىٰ} و{مِن مُّعَمَّرٍ}: بزيادة «من» الاستغراقية لتدل على أن علم الله لا يشذ عنه جنين نملة ولا حوت في بحر، ولا دقيقة من عمر إنسان في طرفي الأرض.
التذييل بـ {إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ}: لرفع الاستعجاب البشري من إحصاء ملايين الخلائق وأعمارهم وأطوارهم؛ فالصعوبة والسهولة مقاييس المخلوق العاجز، أما الخالق فإنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التواضع واستحضار الأصل الترابي: تذكير المتكبرين بأن أصلهم طين مهين ونطفة قذرة، فلا يليق بمن هذا أوله وآخره جيفة أن يتكبر على ربه أو يطغى على خلقه.
الطمأنينة التامة بحتمية الأجل المقدر: علم العبد بأن أنفاسه وأيامه معدودة في كتاب لا يتقدم منها يوم ولا يتأخر، يملأ قلبه شجاعة ورباطة جأش؛ فلا يخاف في الحق لومة لائم، ولا يذل نفسه لرزق أو أجل؛ فكل مقدر كائن بأمر العزيز الحكيم.