ضرب الله تبارك وتعالى في هذه الآية مثلاً كونياً ناطقاً بتفاوت الأشياء وتكامل المنافع، مبيناً عظيم تدبيره في خلق المياه؛ العذبة والمالحة، وما أودع في كل منهما من الأرزاق والحلية والمنافع التي لا يستغني عنها البشر.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 457)جامع البيانالطبري٢٠/٤٥٧: «يقول تعالى ذكره: وما يعتدل هذان البحران؛ هذا ماء عذب قاطع للعطش، فرات شديد العذوبة، سائغ شربه ينساغ في الحلق بسهولة ولذة، وهذا ماء ملح أجاج شديد الملوحة والمرارة والحرارة يحرق من شربه. ومع تباينهما واختلاف طعمهما؛ فمن كل واحد منهما تصيدون وتأكلون لحماً طرياً غضاً وهو السمك، وتستخرجون منه حلية تلبسونها وهي اللؤلؤ والمرجان، وترى السفن فيه تشق عباب الماء مقبلة ومدبرة برياح مسخرة، لتبتغوا من فضل الله بالتجارة والمكاسب، ولعلكم تشكرون الله على هذه النعم الجليلة».
وروى ابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد: هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر؛ فالمؤمن كالبحر العذب الفرات السائغ شرابه؛ نافع مبارك زاكي العمل، والكافر كالملح الأجاج المر؛ خبيث العمل سيئ المآل، ومع ذلك فالله تعالى يرزق الفريقين ويسبغ عليهم نعمه في الدنيا.
وقوله: {وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا}: قال ابن عباس وقتادة: هو اللؤلؤ والمرجان يستخرج من البحر الملح، وقال بعض المفسرين يستخرج من ملتقى البحرين العذب والمالح كما قال: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَمَا}: الواو استئنافية، «ما» نافية لا عمل لها.
{يَسْتَوِي}: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الياء للثقل، والاستواء: التماثل والاعتدال والتساوي في الصفات.
{الْبَحْرَانِ}: فاعل مرفوع بالألف لأنه مثنى، وأصل البحر في لسان العرب: كل ماء كثير متسع، عذباً كان أو ملحاً.
{هَٰذَا}: الها للتنبيه، «ذا» اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
{عَذْبٌ}: خبر أول مرفوع بالضمة، وهو الطيب الخالي من الملوحة.
{فُرَاتٌ}: خبر ثانٍ أو نعت، والفرات هو الشديد العذوبة الذي يكسر العطش ويبرده.
{سَائِغٌ}: خبر ثالث أو نعت، وهو السهل الجريان في الحلق للذته وصفائه.
{وَمِن كُلٍّ}: الواو عاطفة، «من كل» جار ومجرور متعلق بـ {تَأْكُلُونَ}، وتنوين «كل» تنوين عوض عن مضاف إليه محذوف تقديره «ومن كل واحد من البحرين».
{تَأْكُلُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل.
{لَحْمًا}: مفعول به منصوب بالفتحة.
{طَرِيًّا}: نعت للحم منصوب، والطري هو الغض الطازج الذي لم يتغير ولم يتعفن، والمراد به صيد السمك وحيتان البحر.
{وَتَسْتَخْرِجُونَ}: معطوف على «تأكلون» مرفوع بثبوت النون والواو فاعل.
{حِلْيَةً}: مفعول به منصوب بالفتحة، وهي ما يتحلى به من در ولؤلؤ ومرجان.
{تَلْبَسُونَهَا}: فعل مضارع وفاعل ومفعول به، والجملة في محل نصب نعت لـ «حلية»، ونسب اللبس إلى الرجال والنساء لأن الرجال يستفيدون بتزيين نسائهم بها أو لأنهم يلبسون بعضها أو للتغليب.
{وَتَرَى}: الواو حالية أو عاطفة، «ترى» فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة والفاعل مستتر تقديره أنت.
{الْفُلْكَ}: مفعول به منصوب بالفتحة، وهو جمع ومفرد يستوي فيه التذكير والتأنيث، والمراد السفن.
{فِيهِ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من الفلك، أو بـ {مَوَاخِرَ}، والضمير يعود على البحر بجنسه أو على كل واحد منهما.
{مَوَاخِرَ}: حال ثانية من الفلك منصوبة بالفتحة، و«مواخر» جمع ماخرة من مخرت السفينة الماء إذا شقته بصدرها وصوت جريانها.
{لِتَبْتَغُوا}: اللام لام التعليل، «تبتغوا» مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام بحذف النون، والواو فاعل.
{مِن فَضْلِهِ}: متعلق بـ {لِتَبْتَغُوا}، والهاء مضاف إليه يعود على الله تعالى؛ أي تبتغوا من رزقه وأرباح تجاراتكم.
{وَلَعَلَّكُمْ}: الواو عاطفة، «لعل» حرف ترج ونصب، والكاف اسمها.
{تَشْكُرُونَ}: خبر «لعل»، والجملة تعليلية لمقصد إسباغ هذه النعم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
لما قرر في الآية السابقة أطوار خلق الإنسان وأحوال أجله في كتاب، أردف ذلك ببيان بيئته ومقومات حياته وما أودع الله له في الأرض من مسطحات مائية عظمى.
المقابلة التامة في النظم: تقابل أولاً بين نوعي الماء {عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ} و{مِلْحٌ أُجَاجٌ}، ثم التفات بديع إلى توحيد المنفعة والرحمة رغم التباين: {وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً}، ثم تكميل النعمة بتيسير النقل والمواصلات: {وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ}، ثم ختام الآية بالغاية الوجودية العظمى: {لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الحكمة من خلق البحار المالحة الأجاجة: قد يتساءل سطحي الفهم: لماذا لم تكن مياه الأرض كلها عذبة فراتاً ليستفيد الناس منها شرباً وزرعاً؟
رد الشبهة والبيان العلمي والحكمي: بيّن أئمة الإسلام والعلماء حكمة الله الباهرة في ملوحة البحار العظمى؛ فلو كانت مياه البحار والمحيطات عذبة لأنتنت الأرض بموت دواب البحر وتعفنت أجواؤها واستحال العيش عليها؛ فالملوحة هي الحافظ الإلهي الأكبر للأرض من التحلل والوباء، كما أنها مستودع التوازن المناخي والأمطار بالتبخر، ومع ملوحتها جعلها الله مستودعاً لأطيب اللحوم الطرية ولأبهى الحلي، وذلولاً لحمل أثقال السفن، فتبين أن خلق الملح الأجاج رحمة تامة وحكمة بالغة لا تقل عن خلق العذب الفرات.
الطباق المزدوج: بين {عَذْبٌ فُرَاتٌ} و{مِلْحٌ أُجَاجٌ}.
المجاز المرسل أو الاستعارة في {تَلْبَسُونَهَا}: إسناد اللبس إلى الرجال والنساء معاً تشريفاً وتعظيماً للنعمة؛ إذ حُسن الزوجة بلبس الحلية عائد بنفعه وسروره إلى الرجل.
التصوير الحسي الحركي في {مَوَاخِرَ}: نقل صورة صوتية وحركية حية لجريان السفن وشقها للأمواج العاتية بفضل الله وقوانينه المسخرة في الطفو والرياح.
الرمزية الإشارية: أشار السلف (كقتادة والحسن) إلى أن هذا التباين الظاهري في البحار يعكس تباين القلوب والخلائق؛ فقلب المؤمن عذب طيب ريان، وقلب الكافر ملح مر خبيث، والجامع بينهما ابتلاء الله للخلق في هذه الدار.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استشعار نعم الله المسخرة في البحار: الواجب على المسلم حين يرى البحار والأنهار أو يأكل السمك أو يرى اللؤلؤ ألا ينظر نظرة غافلة، بل يستحضر تدبير الفاطر الحكيم الذي سخر هذه الأكوان لخدمته فيلهج لسانه بشكر المنعم.
الجمع بين عمارة الأرض وطلب الآخرة: قوله {لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ} مشروعية السعي في التجارة، وركوب البحار، واستثمار الثروات الطبيعية، مع ربط ذلك بالغاية التعبدية: {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} لئلا تنقلب النعمة إلى استكبار وبطر.