تقرير إلهي لعظمة الرسالة المحمدية، واشتمالها على البشارة والنذارة بالحق الذي لا مرية فيه، وبيان سنة الله الماضية في إرسال الرسل إلى سائر الأمم لإقامة الحجة وقطع المعذرة.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 473)جامع البيانالطبري٢٠/٤٧٣: «يقول تعالى ذكره: إنا أرسلناك يا محمد بالحق، وهو الدين القويم والقرآن العظيم ودلائل التوحيد، بشيراً تبشر من أطاعك بالجنة والكرامة، ونذيراً تنذر من عصاك النار والشقاوة؛ وما من أمة خلت من الأمم السالفة وقرن من القرون الماضية إلا مضى فيها نذير من رسل الله وأنبيائه يدعوهم إلى عبادة الله وحده ويحذرهم بأسه».
وقال ابن كثير: «أي بعثناك بالحق الذي أرسلنا به الرسل، وهو التوحيد، بشيراً للمؤمنين ونذيراً للكافرين. وقوله: {وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ}: كقوله تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ}، وقوله: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ}، فلم يترك الله أمة من بني آدم إلا أرسل إليها الرسل أو أنزل إليها الكتب لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل».
وقال قتادة: «خلا فيها نذير: أي سلف فيها نبي ورسول، تتابعت الرسل والكتب حتى خُتمت بمحمد ﷺ».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{إِنَّا}: حرف توكيد ونصب، و«نا» المدغمة ضمير متصل مبني في محل نصب اسمها (ضمير العظمة).
{أَرْسَلْنَاكَ}: فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بنا الفاعلين، و«نا» فاعل، والكاف ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به، والجملة في محل رفع خبر «إن».
{بِالْحَقِّ}: الباء للملابسة والمصاحبة، والجار والمجرور متعلق بمحذوف حال من الفاعل أو المفعول أو الفعل؛ أي أرسلناك متلبساً بالحق المقترن بالبراهين والصدق.
{بَشِيرًا}: حال منصوبة بالفتحة الظاهرة من الكاف في «أرسلناك»، والبشير: المخبر بالخير السار المفرح.
{وَنَذِيرًا}: معطوف على «بشيراً» منصوب بالفتحة الظاهرة.
{وَإِن}: الواو عاطفة أو استئنافية، «إن» نافية بمعنى «ما».
{مِّنْ أُمَّةٍ}: «من» حرف جر زائد لتأكيد النفي واستغراقه، {أُمَّةٍ}: مبتدأ مجرور لفظاً مرفوع محلاً، والأمة: الجماعة العظيمة من الناس التي يجمعها عصر أو لغة أو نسب.
{إِلَّا}: أداة حصر واستثناء مفرغ.
{خَلَا}: فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، ومعناه: سلف ومضى وعاش، مأخوذ من الخلو وهو مضي الزمان.
{فِيهَا}: جار ومجرور متعلق بـ {خَلَا}.
{نَذِيرٌ}: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة، وجملة {خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ} في محل رفع خبر المبتدأ {أُمَّةٍ}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
بعد أن قال في الآية السابقة {إِنْ أَنتَ إِلَّا نَذِيرٌ} في سياق دفع مكرهم وتهدئة نفس النبي، استأنف هنا ببيان كمال صفات الرسالة: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا}، فقرن البشارة بالنذارة، وأكد صدق الرسالة واقترانها بالحق المطلق.
ثم وسّع أفق المشهد بنقله من خصوص الدعوة المحمدية إلى تاريخ البشرية العام: {وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ}؛ ليعلم كفار مكة أن إرسال الرسل ليس بدعاً في الوجود ولا أمراً غريباً يستحق الاستنكار، بل هو سنة إلهية ثابتة في كل الحضارات والأمم السالفة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة استنكار مشركي قريش لبعثة رسول من البشر: قال المشركون تعنتاً: {مَالِ هَٰذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ}.
دحض الشبهة بالاستقراء التاريخي القطعي: أسقطت الآية تعجبهم ببيان أن كل أمة في تاريخ الوجود الإنساني أتاها نذير من جنسها؛ فالرسالة سنة كونية وتشريعية متكررة مطردة، والمستغرب حقاً هو ألا يُرسل نذير يُصلح الفساد ويقيم الميزان، لا أن يُرسل منقذ رحيم كالنبي ﷺ.
مسألة أهل الفترة وأصحاب العصور المتباعدة: نصت الآية على أن كل أمة خلا فيها نذير، إما بنبي مرسل إليهم مباشرة، أو ببقاء آثار دعوة نبي سابق تبين الحق وتلزم الحجة، ومن لم تبلغه الدعوة ولم يدرك نذارة فإنه يدخل في حكم أهل الفترة الذين يختبرهم الله بعدله يوم القيامة كما قرره أهل السنة والجماعة، تأكيداً لقوله: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا}.
الاقتران البلاغي بين {بَشِيرًا وَنَذِيرًا}: لتحقيق التوازن بين الترغيب والترهيب؛ فالتبشير لأهل الإيمان والإحسان، والإنذار لأهل الشرك والعصيان.
الاستغراق والعموم بـ {مِّنْ أُمَّةٍ}: تأكيد بـ «من» الزائدة لبيان عموم العدل الإلهي واستيعابه وعدم إهمال أي تجمع بشري من نور التذكير.
استعمال الفعل {خَلَا}: للتذكير بزوال القرون ومضي الأمم السابقة بعد انقضاء آجالها، وفيه إشارة للمخاطبين بأنهم سيمضون كما مضى أسلافهم ويبقى الحساب.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الاعتزاز بوحدة الرسالات والشرائع: يشعر المسلم بالانتماء إلى موكب النبوة الطاهر الممتد عبر العصور؛ فكل أمة مضى فيها نبي يدعو إلى التوحيد، ومحمد ﷺ خاتمهم وإمامهم.
منهج الدعوة المتوازن بين التبشير والإنذار: توجيه المربين والدعاة إلى عدم الاقتصار على أسلوب التخويف وحده حتى لا يقنط الناس، ولا على أسلوب الرجاء وحده حتى لا يتجرؤوا على المعاصي، بل الجمع بين الوعد والوعيد بالحق والعدل.