استكمال للوحة التنوع الكوني في عالم الإنسان والحيوان، وتتويج ذلك بأعظم قاعدة قرآنية في فضيلة العلم ورسوخ الخشية، واختصاص العلماء بمعرفة جلال الله وعظمته.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 479)جامع البيانالطبري٢٠/٤٧٩: «يقول تعالى ذكره: وكذلك خلقنا من بني آدم، ومن الدواب وهي كل ما دب على الأرض، ومن الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم، مختلفاً ألوانه؛ فمنهم الأبيض والأسود والأحمر والأسمر وما بين ذلك، كاختلاف ألوان الثمار والجبال. ثم قال جل ثناؤه: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}: يقول: إنما يخاف الله ويتقي عقابه فيجتنب معاصيه ويؤدي فرائضه، العارفون به وبأسمائه وصفاته وعظمته وبدائع صنعه في خلقه؛ لأنه كلما كانت المعرفة به أتم، كانت الخشية له أعظم».
وأخرج الطبري وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} قال: «الذين يعلمون أن الله على كل شيء قدير، ويعلمون بطشه وسلطانه وعظمته».
وقال مسروق: «كفى بخشية الله علماً، وكفى بالاغترار بالله جهلاً».
وقال سفيان الثوري: «العلماء ثلاثة: عالم بالله يخشى الله، وعالم بالله لا يخشى الله، وعالم بأمر الله لا يخشى الله؛ فالكامل هو العالم بالله الخاشع له».
وقال الحسن البصري: «العالم من خشي الرحمن بالغيب، ورغب فيما رغب الله فيه، وزهد فيما سخط الله فيه»، ثم تلا الحسن هذه الآية.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَالدَّوَابِّ}: معطوف على الناس مجرور، جمع دابة؛ وهو كل حيوان يدب على الأرض.
{وَالْأَنْعَامِ}: معطوف مجرور، وهي بهيمة الأنعام (الإبل، البقر، الضأن، المعز).
{مُخْتَلِفٌ}: مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة، وهو اسم فاعل، وتذكيره لمراعاة معنى «ما» أو «النوع» المقدر؛ أي صنف أو خلق مختلف.
{أَلْوَانُهُ}: فاعل لاسم الفاعل مرفوع بالضمة، والهاء مضاف إليه تعود على المذكور من الناس والدواب والأنعام.
{كَذَٰلِكَ}: الكاف حرف جر وتشبيه، و«ذا» اسم إشارة في محل جر متعلق بمحذوف صفة لمصدر محذوف، أو خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: اختلافاً كائناً كذلك الاختلاف المذكور في الثمار والجبال.
{إِنَّمَا}: كافة ومكفوفة تفيد الحصر والقصر القطعي.
{يَخْشَى}: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الألف للتعذر. والخشية: خوف مقرون بعلم وتعظيم وإجلال للمخوف، وهي أخص من الخوف المجرد.
{اللَّهَ}: اسم الجلالة مفعول به مقدم منصوب بالفتحة الظاهرة تعظيماً وإعراباً.
{مِنْ عِبَادِهِ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من «العلماء»، والهاء مضاف إليه.
{الْعُلَمَاءُ}: فاعل مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة؛ وتقديم المفعول وتأخير الفاعل مع أداة الحصر يفيد حصر الخشية في العلماء؛ أي لا يخشى الله الخشية الحقيقية إلا هؤلاء العلماء.
{إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ}: جملة تذييلية تعليلية مقررة، {عَزِيزٌ}: خبر أول، الغالب القاهر المنتقم من أعدائه والمهيب في ملكوته، {غَفُورٌ}: خبر ثانٍ، الساتر لذنوب العلماء والعباد الخاشعين المتجاوز عن تقصيرهم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم القرآني من أبدع النظم وأعلاه إعجازاً؛ حيث ربط بين الآيات التكوينية المشهودة في الآفاق (المطر، النبات، الجبال، الناس، الدواب، الأنعام) وبين النتيجة النفسية والمعرفية المستخلصة منها: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}.
فكأن السياق يقول: إن هذا الكون كتاب مفتوح مبثوث بآيات القدرة والإتقان، ولكن لا يفقه هذه اللغات ولا يقرأ هذه السطور ولا يستشعر جلال الصانع الفاطر إلا أهل العلم والبصيرة؛ فلذلك حُصرت فيهم الخشية الكاملة، وذُيلت الآية بصفتي {عَزِيزٌ غَفُورٌ}؛ فالعزة تقتضي الهيبة والخشية، والمغفرة تفتح باب الرجاء وتزيل قلق القلوب.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة إعراب اسم الجلالة عند الجاهلين بالنحو: قد يقرأ بعض العوام أو الملاحدة بجهل رفع اسم الجلالة ونصب العلماء فيتوهمون فساد المعنى.
الرد والتحقيق النحوي القطعي: قررت قواعد الإعراب المتواترة أن {اللَّهَ} مفعول به مقدم منصوب، و{الْعُلَمَاءُ} فاعل مؤخر مرفوع، فالفعل «يخشى» مسند إلى العلماء؛ أي العلماء هم الذين يخشون الله ويجلونه، وأداة الحصر {إِنَّمَا} تفيد قصر الخشية التامة عليهم؛ فمن لا يخشى الله فليس بعالم، كما قال ابن مسعود: «ليس العلم بكثرة الرواية، إنما العلم الخشية».
تحديد مفهوم «العلماء» في الآية: هل المراد بهم علماء الشريعة فقط أم علماء الطبيعة والكون؟
التحقيق أن سياق الآية الكريمة جاء عقب ذكر السحاب والأمطار والثمار والجبال والخلائق، فيشمل كل من تدبر في خلق الله وآياته الكونية والشرعية فعرف بها ربه فخافه وعبده؛ فعالم الشريعة رأسهم لمعرفته بأمر الله وشرعه، وعالم الكون إذا قاده بحثه إلى الإقرار بعظمة الخالق وخشيته حاز نصيباً من هذا الوصف، أما من علم دقائق الطبيعة وهو ملحد جاحد فليس بمعدود في العلماء هنا؛ لأن علمه لم يثمر ثمرته العظمى وهي الخشية، بل هو جاهل بربه مغتر بنواميس خلقه.
أسلوب القصر والحصر بـ {إِنَّمَا} وتقديم المفعول به: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}؛ إيجاز قاطع يحصر الخشية في العلماء، وينفيها عمن سواهم من الجهال والغافلين والمغرورين.
الفرق الدلالي بين «الخوف» و«الخشية»: استعمل القرآن هنا «الخشية» دون «الخوف»؛ لأن الخشية خوف ممتزج بالمعرفة والمحبة والتعظيم، بخلاف الخوف الطبيعي الذي قد يعتري الجاهل من الأسد أو المرض دون تعظيم.
التوازن والازدواج بين {عَزِيزٌ} و{غَفُورٌ}: عزة تبهر القلوب بالهيبة والوجل فيخشاه العارفون، ومغفرة تسكب في الأفئدة الأمل والرجاء فلا يقنط المقصرون.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
ميزان العلم الحقيقي هو العمل والخشية: العلم ليس شهادات تُنال ولا كتباً تُصفف ولا حفظاً مجرداً للأقوال، بل هو نور يقذفه الله في القلب يثمر وجلاً من الله، وانقياداً لشريعته، وتواضعاً لعباده؛ فكلما ازداد المرء علماً وجب أن يزداد خشية وتضرعاً وبكاءً من خشية ربه.
التكامل بين العلم الشرعي والعلوم الكونية: تحفيز الأمة المسلمة على دراسة العلوم الطبيعية والجيولوجية والبيولوجية بمنظار إيماني توحيدي، ليكون كل اكتشاف علمي سبيلاً لتعميق الإيمان وزيادة الخشية من فاطر السماوات والأرض.