مشهد تقابلي ترهيبي يعرض مصير الكافرين المعاندين في نار جهنم؛ خلود أبدي، حرمان من الموت المستراح به، وعدم تخفيف للعذاب في أي لحظة.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 498)جامع البيانالطبري٢٠/٤٩٨: «يقول تعالى ذكره: والذين جحدوا توحيد الله وكذبوا رسله، لهم نار جهنم يصلونها مخلدين فيها، لا يقضي الله عليهم بالموت فيموتوا فيستريحوا من العذاب، ولا يخفف الله عنهم شيئاً من عذابها المؤلم؛ كما قال تعالى: {لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ}، ومثل هذا الجزاء الرادع نجزي كل كفور جحود لنعم الله مكذب بآياته».
وقال قتادة في قوله: {لَا يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا}: «لا يموتون فيستريحوا، بل هم في عذاب دائم مقيم، كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب».
ثبت في «صحيح مسلم» (رقم 185)صحيح مسلممسلمحديث رقم ١٨٥ من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم -أو قال بخطاياهم- فأماتهم إماتة حتى إذا كانوا فحماً أُذن بالشفاعة...».
وثبت في الصحيحين في قصة ذبح الموت: «يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح فيذبح بين الجنة والنار، ثم يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَالَّذِينَ}: الواو عاطفة للمقابلة، اسم موصول مبتدأ.
{كَفَرُوا}: فعل ماض والواو فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{لَهُمْ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم.
{نَارُ}: مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ الأول {وَالَّذِينَ}.
{جَهَنَّمَ}: مضاف إليه مجرور بالفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث أو العجمة.
{لَا}: نافية لا عمل لها.
{يُقْضَىٰ}: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بضمة مقدرة على الألف للتعذر، ونائب الفاعل محذوف يفسره ما بعده؛ أي لا يقضى عليهم الموت.
{عَلَيْهِمْ}: متعلق بـ {يُقْضَىٰ}.
{فَيَمُوتُوا}: الفاء فاء السببية واقعة في جواب النفي، «يموتوا» فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوباً بعد فاء السببية وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعل.
{وَلَا}: الواو عاطفة، «لا» لتأكيد النفي.
{يُخَفَّفُ}: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بالضمة الظاهرة.
{عَنْهُم}: متعلق بـ {يُخَفَّفُ}.
{مِّنْ عَذَابِهَا}: «من» للتبعيض أو لتأكيد النفي، ونائب الفاعل محذوف تقديره «شيء»؛ أي لا يُخفف عنهم شيء من عذابها، والهاء مضاف إليه.
{كَذَٰلِكَ}: الكاف حرف تشبيه وجر، «ذا» اسم إشارة مجرور متعلق بمحذوف مفعول مطلق مقدم لـ {نَجْزِي}.
{نَجْزِي}: قرأ الجمهور بنون العظمة {نَجْزِي} ونصب {كُلَّ} مفعولاً به، وقرأ أبو عمرو في رواية وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم في رواية بالياء المضمومة وفتح الزاي «يُجْزَىٰ» مبنياً للمجهول ورفع «كلُّ» نائب فاعل.
{كُلَّ}: مفعول به (أو نائب فاعل) منصوب بالفتحة وهو مضاف.
{كَفُورٍ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة، فعول صيغة مبالغة لمن تناهى في الكفران والجحود.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم القرآني المحكم يمثل أعلى درجات المقابلة الترهيبية بعد الترغيب؛ فلما استعرض مآل المؤمنين في جنات عدن وتحليتهم وحمد ربهما على زوال الحزن واللغوب، أتبع ذلك مباشرة ببيان مآل الكافرين في نار جهنم؛ ليتقابل الخلود في النعيم مع الخلود في الجحيم.
المقابلة التامة: بين {دَارَ الْمُقَامَةِ} لأهل الجنة، و{نَارُ جَهَنَّمَ} لأهل الكفر، وبين انتفاء الحزن والنصب هناك، واستدامة الحسرة والعذاب هنا.
استعمال فاء السببية بعد النفي في {فَيَمُوتُوا}: لبيان أن الموت المرجو لديهم للاستراحة مستحيل الوقوع؛ لأن مشيئة الله قضت بأبدية الجزاء.
صيغة المبالغة في {كَفُورٍ}: للدلالة على أن هذا العذاب المهيب ليس ظلماً، بل هو جزاء وفاق لمن امتلأت جوانحه بكفران النعم وتكذيب الآيات ومحاربة الرسل.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استحضار هول النار للزجر عن المعاصي: تذكير النفس المتمردة بهذا العذاب الدائم الذي لا موت فيه ولا تخفيف؛ ليكون رادعاً للمؤمن عن مقارفة المحرمات وباعثاً على التوبة النصوح.
الإنصاف في الدعوة وموازنة الخطاب: أن يجمع الداعية في خطابه بين تبشير الطائعين بنعيم دار المقامة، وإنذار العصاة والمكذبين بسعير جهنم، كما هو المنهج القرآني المطرد.