آية كونية بديعة في استعراض لوحات التلوين والتنوع الجمالي والجيولوجي في النبات والجبال، تدل على كمال الصنع ولطيف الحكمة والتدبير الإلهي المحيط.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 477)جامع البيانالطبري٢٠/٤٧٧: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ ولأهل البصائر: ألم تعاين وترَ بعين قلبك وبصرك أن الله أنزل من السماء مطراً، فأخرجنا بماء ذلك المطر من الأرض ثمرات متنوعة الأجناس والطعوم والروائح، مختلفاً ألوانها من أحمر وأصفر وأخضر وأسود، ومن الجبال طرائق وخطوط بيض، وخطوط حمر متباينة الدرجات، وصخور غرابيب سود شديدة السواد؟! وهذا برهان على قدرة الصانع الواحد الذي يسقي بماء واحد ويخرج أصنافاً شتى لا يماثل بعضها بعضاً».
وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة في قوله: {وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ}: «الجدد: الطرائق والخطوط تكون في الجبل؛ طرائق بيض وطرائق حمر».
وقال عكرمة وابن عباس في قوله: {وَغَرَابِيبُ سُودٌ}: «الغرابيب: الشديدة السواد، وتأخير الوصف أو تقديمه من فصيح كلام العرب، فيقال: أسود غربيب، وغربيب أسود؛ وهو البالغ غاية السواد تشبيهاً بلون الغراب».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{أَلَمْ}: الهمزة للاستفهام التقريري والتعجيبي، «لم» حرف نفي وجزم وقلب.
{تَرَ}: فعل مضارع مجزوم بحذف حرف العلة (الألف)، والفاعل مستتر تقديره أنت، والرؤية هنا قلبية علمية تتعدى لمفعولين أو بصرية تتعدى لواحد.
{أَنَّ}: حرف توكيد ونصب مشبه بالفعل.
{اللَّهَ}: اسم «أن» منصوب بالفتحة الظاهرة.
{أَنزَلَ}: فعل ماض وفاعله مستتر، والجملة خبر «أن»، والمصدر المؤول من «أن» واسمها وخبرها سد مسد مفعولي «ترى».
{مِنَ السَّمَاءِ}: متعلق بـ {أَنزَلَ}.
{مَاءً}: مفعول به منصوب بالفتحة.
{فَأَخْرَجْنَا}: الفاء عاطفة تفيد التعقيب، «أخرجنا» فعل ماض وفاعله «نا» العظمة (وفيه التفات من الغيبة إلى التكلم).
{بِهِ}: متعلق بـ {أَخْرَجْنَا}، والباء للسببية.
{ثَمَرَاتٍ}: مفعول به منصوب بالكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم.
{مُّخْتَلِفًا}: نعت لـ {ثَمَرَاتٍ} منصوب بالفتحة، وهو اسم فاعل، وذكّر لمراعاة معنى الجمع أو لأنه جرى على ما بعده.
{وَغَرَابِيبُ}: معطوف على «جدد» أو نعت لـ «جدد» مقدرة؛ أي: وطرائق غرابيب، مرفوع بالضمة من غير تنوين لأنه ممنوع من الصرف على صيغة منتهى الجموع (مفرده غربيب).
{سُودٌ}: نعت أو بدل أو تأكيد لـ {غَرَابِيبُ} مرفوع بالضمة، جمع أسود وسوداء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
بعد مشاهد الإهلاك والاستئصال للأمم المكذبة في الآية السابقة، انتقل السياق نقلة بهيجة آسرة إلى رحاب الطبيعة ومظاهر الجمال والقدرة الإلهية؛ ليوازن بين جلال البطش في هلاك الظالمين، وبين جمال الصنع في تلوين الكون.
التدرج الرائع في التلوين: بدأ بالماء النازل من السماء وهو ماء شفاف لا لون له، ثم أتبعه بإخراج الثمرات الملونة الطازجة، ثم ارتقى إلى الجمادات الراسيات الشامخات (الجبال) وما فيها من طبقات وخطوط بيضاء وحمراء وسوداء، ليري العقول أن التنوع ليس عشوائياً بل بصمة إلهية موحدة في الكائنات الحية والجمادات على حد سواء.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة المادية والصدفة في تنوع الكائنات: يدعي الماديون والداروينيون أن التنوع اللوني والتراكيب الجيولوجية وليدة التفاعلات الكيميائية العمياء والصدف الطبيعية.
دحض الشبهة بالمحاكمة العقلية والجيولوجية والنباتية: ألزمت الآية الخصم بأوضح حجة؛ فالأصل المائي واحد: {مَاءً}، والتربة الجبلية واحدة، فمن الذي جعل الثمرات تخرج من نفس الماء والأرض مختلفة الألوان والطعوم والروائح؟! ومن الذي خطط سلاسل الجبال بخطوط بيضاء من الكالسيت والرخام، وأخرى حمراء من أكاسيد الحديد، وصخور بازلتية غرابيب سوداء متراصة بنظام هندسي معجز لا تخطئه عين؟! إن هذا التنوع القائم مع وحدة المادة الأولى هو أكبر برهان عقلي على وجود الفاعل المختار الحكيم الذي يقصد التنوع والتفريق بمشيئته المطلقة وإبداعه المتقن.
الالتفات البديع من الغيبة إلى التكلم: قال: {أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ}، ثم قال: {فَأَخْرَجْنَا}؛ لتقريب صورة العناية الإلهية الفائقة بإنبات الثمار وتلوينها.
التدرج اللوني التصويري: بدأ بالأبيض وهو أصفى الألوان وأنصعها، ثم ثنّى بالأحمر وهو أزهاها وأبهجها بتدرجاته، وختم بالأسود الغربيب وهو أعمقها وأشدها كثافة وهيبة.
المطابقة البلاغية والتقديم في {وَغَرَابِيبُ سُودٌ}: تقديم صفة الشدة والتوكيد «غرابيب» على الموصوف «سود» أو جعلهما صفة متلاحمة لإفادة الامتلاء التام باللون وكماله في الصخور البازلتية والبركانية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تنمية الحس الجمالي والذوق الرفيع: القرآن لا يدعو إلى الإيمان الجاف، بل يربي في نفس المؤمن التذوق الجمالي لبدائع الألوان في الفواكه والجبال والطبيعة، وربط ذلك الجمال بالمنعم سبحانه.
إدراك حكمة الاختلاف: الاختلاف والتنوع سنة ربانية كبرى مبثوثة في الجماد والنبات والإنسان، فلا ينبغي للمسلم أن يضيق ذرعاً بالتنوع المشروع، بل يستدل به على سعة قدرة الفاطر العظيم.