برهان قاطع على كمال غنى الله تعالى وكمال قدرته على إفناء البشرية واستبدالها بخلق آخر يطيعونه ولا يعصونه.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 464)جامع البيانالطبري٢٠/٤٦٤: «يقول تعالى ذكره: إن يشأ الله إهلاككم أيها الناس وفناءكم أذهبكم فأفناكم جميعاً، ويأت بخلق سواكم جديد يطيعونه ويخلصون له العبادة، لا يشركون به شيئاً».
وقال ابن كثير: «أي لو أراد لأذهبكم وأفناكم وأتى بقوم آخرين غيركم يطيعونه، كما قال تعالى: {وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم}».
أخرج مسلم في «صحيحه» (رقم 2749)مصدر غير محددحديث رقم ٢٧٤٩ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{إِن}: حرف شرط جازم لمجرد التعليق في الإمكان.
{يَشَأْ}: فعل الشرط مضارع مجزوم وعلامة جزمه السكون، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على الله تعالى، ومفعول المشيئة محذوف تقديره «إذهابكم».
{يُذْهِبْكُمْ}: جواب الشرط مضارع مجزوم بالسكون، والفاعل مستتر تقديره هو، والكاف ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به، والميم للجمع. والإذهاب: الإفناء والإزالة التامة من الوجود.
{وَيَأْتِ}: الواو عاطفة، «يأت» فعل مضارع مجزوم بحذف حرف العلة (الياء) معطوف على جواب الشرط «يذهبكم»، والفاعل مستتر تقديره هو.
{بِخَلْقٍ}: الباء للتعدية، والجار والمجرور متعلق بـ {يَأْتِ}. والخلق هنا اسم مصدر بمعنى المخلوقين؛ أي بقوم أو بأمة أو بجنس آخر.
{جَدِيدٍ}: نعت لـ {خَلْقٍ} مجرور بالكسرة، والجديد هو المبتدأ الذي لا عهد له بسابق، أو البديل الطاهر النقي من المعاصي والضلالات.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تتصل هذه الآية اتصال البرهان بالدعوى؛ فلما قرر في الآية السابقة أن الله هو {الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ}، بيّن هنا مظهراً مرعباً من مظاهر غناه المطلق وقدرته القاهرة؛ وهو أنه غير محتاج إلى بقاء هؤلاء الناس ولا مكترث بوجودهم؛ فإن كفروا أو عصوا لم يضروه شيئاً، وبإمكانه محوهم من الوجود في لحظة والإتيان بغيرهم.
التعبير بالشرط بـ {إِن} لإفادة أن الإبقاء على البشر ليس عن عجز ولا عن حاجة، بل هو محض حكمة وإمهال لتمام الابتلاء.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة توهم المشركين أن الله بحاجة إلى عبادتهم أو تعميرهم للأرض: يظن بعض المنحرفين أن خلقة البشر تقتضي استمرارهم كأن الخالق محتاج إلى عمارتهم.
رد الشبهة ودحضها: حطمت الآية هذا الوهم؛ فالبشرية بأسرها ليست رقماً صعباً في ملكوت الله، ومشيئته نافذة في إبادتهم وإيجاد خلق جديد بدلاً منهم دون أن ينقص من ملكه شيء أو يتكلف في ذلك مشقة، فبقاؤهم نعمة وإمهال لا استحقاق ولا حاجة.
الجزم في جوابي الشرط وحذف حرف العلة: {يُذْهِبْكُمْ}، {وَيَأْتِ}؛ يحمل جرساً صوتياً قاطعاً وحاسماً يوحي بسرعة الإفناء والإيجاد بمجرد المشيئة.
تنكير {بِخَلْقٍ جَدِيدٍ}: للتعظيم والتنويع؛ ليشمل بشراً أفضل منهم، أو خلقاً آخر تماماً من غير بني آدم يسبحون بحمده ولا يعصون أمره.
إيجاز الحذف في مفعول المشيئة: اختصار بليغ يدل على كمال الطواعية في الكائنات لمشيئة البارئ جل وعلا.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استشعار الخطر من سنة الاستبدال الإلهي: إن التمادي في معصية الله والإعراض عن شريعته يعرّض الأفراد والأمم لخطر الاستبدال، بأن ينزع الله منهم أمانة الدين والتمكين ويسلمها لجيل آخر صادق، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}.
الحياء من الغني القدير: أن يستحي العبد من ربه الذي يملأ أرجاء الكون جنوداً سواه، ومع ذلك يتودد إليه بالنعم ويستره بالعافية، بينما العبد يبارزه بالعصيان وهو الفقير العاجز.