شهادة ربانية قطعية بصدق القرآن العظيم وأنه الحق المطلق الموحى من عند الله، وتأكيد لهيمنته وتصديقه للكتب السماوية السابقة، وبيان أن الله خبير بصير بما يصلح عباده في كل زمان ومكان.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 483)جامع البيانالطبري٢٠/٤٨٣: «يقول تعالى ذكره: والذي أوحينا إليك يا محمد من هذا الكتاب وهو القرآن، هو الحق المحض الذي لا باطل فيه ولا كذب، مصدقاً لما تقدمه من كتب الله التي أنزلها على أنبيائه كالتوراة والإنجيل؛ يشهد بصدقها ويوافقها في التوحيد وأصول الدين. إن الله بعباده لخبير عليم بأفعالهم وسرائرهم وما يصلحهم، بصير بأحوالهم فيعطي كل أمة ما يليق بها من الشرائع بحكمته».
وقال ابن كثير: «يقرر تعالى نبوة محمد ﷺ وأن ما أنزل عليه من القرآن هو الحق الذي لا ريب فيه، ومصدقاً لما نزل قبله من الكتب الإلهية؛ فالقرآن مهيمن عليها وحاكم بصحتها ومبين لما حُرّف منها».
وقال قتادة: «القرآن يصدق الكتب قبله، ويشهد للمؤمنين بها، وينسخ فروع شرائعها، ويثبت أصل التوحيد الذي اتفقت عليه الرسل».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَالَّذِي}: الواو استئنافية، اسم موصول مبني في محل رفع مبتدأ.
{أَوْحَيْنَا}: فعل ماض وفاعله «نا» العظمة، والجملة صلة الموصول لا محل لها. والوحي: إعلام سريع خفي في غاية اللطف والإحكام.
{إِلَيْكَ}: متعلق بـ {أَوْحَيْنَا}.
{مِنَ الْكِتَابِ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من العائد المحذوف؛ أي: والذي أوحيناه إليك كائناً من الكتاب، و«من» بيانية أو للتبعيض باعتبار ما نزل منه منجماً.
{هُوَ}: ضمير فصل لا محل له من الإعراب، أو مبتدأ ثانٍ.
{الْحَقُّ}: خبر المبتدأ (أو خبر «هو» والجملة خبر الأول) مرفوع بالضمة الظاهرة، و«أل» فيه تفيد الاستغراق والكمال؛ أي هو الحق الكامل الصرف الثابت.
{مُصَدِّقًا}: حال منصوبة بالفتحة الظاهرة من «الحق» أو من الضمير العائد على الكتاب، مشتقة من صدّق يصدق تصديقاً.
{لِّمَا}: اللام حرف جر لتقوية التعدية، و«ما» اسم موصول في محل جر متعلق بـ {مُصَدِّقًا}.
{بَيْنَ يَدَيْهِ}: ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة «ما»، والهاء مضاف إليه، والمراد بما بين يديه: الكتب السماوية السابقة كالتوراة والإنجيل والزبور.
{إِنَّ اللَّهَ}: حرف توكيد ونصب واسم الجلالة اسمها.
{بِعِبَادِهِ}: متعلق بـ {خَبِيرٌ}.
{لَخَبِيرٌ}: اللام المزحلقة تفيد التوكيد، و«خبير» خبر أول لـ «إن» مرفوع بالضمة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تدرج الخطاب من مدح تلاوة الكتاب والعمل به في الآية السابقة: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ}، إلى تقرير صفة هذا الكتاب ومصدره وحقيقته في هذه الآية: {وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ}.
التناسب البين بين تصديق الكتب السابقة وبين ختم الآية بصفتي {خَبِيرٌ بَصِيرٌ}؛ لبيان أن تنزيل هذا القرآن خاتماً للرسالات وناسخاً لما قبله كان عن علم محيط بمتغيرات أحوال البشرية وحاجتها إلى شريعة عامة خالدة تصلح لكل زمان ومكان.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة اقتباس القرآن من الكتب السابقة: يزعم المستشرقون وأعداء الإسلام أن موافقة القرآن للتوراة والإنجيل في قصص الأنبياء دليل على أن النبي ﷺ اقتبس معارفه من رهبان النصارى وأحبار اليهود.
رد الشبهة ودحضها البرهاني: قررت الآية الكريمة القاعدة الكبرى: {مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ}؛ فالموافقة في أصول العقائد والتوحيد وقصص الأنبياء ليست دليلاً على الاقتباس البشري، بل هي البرهان الساطع على وحدة المصدر الإلهي؛ فلو كان القرآن من عند غير الله لاختلف عن جوهر النبوات السابقة، ومع كونه مصدقاً لأصلها، فقد جاء مبرأً من التحريفات والأساطير التي أدخلها الأحبار والرهبان (كنسبة النقائص والكبائر للأنبياء والشرك بالله)، وجاء مهيمناً عليها ومصححاً ومكملاً، وهذا أعظم دليل على أنه تنزيل من العليم الخبير بنبيه الأمي الذي لم يقرأ كتاباً ولم يخطه بيمينه.
تعريف الجزأين وتوسيط ضمير الفصل في {هُوَ الْحَقُّ}: لإفادة الحصر المطلق؛ فكل ما خالف هذا القرآن فهو باطل وزيف، وهو المعيار الفاصل في كل المعارف الإنسانية.
الاستعارة في {بَيْنَ يَدَيْهِ}: تعبير كنائي شائع في لسان العرب عن القرب والتقدم الزمني؛ لأن ما بين يدي الإنسان حاضر أمامه سابق له.
اقتران «الخبير» بـ «البصير»: للدلالة على الإحاطة الإلهية التامة بالخفايا الباطنية والمظاهر الخارجية، مما يؤكد أن الوحي صادر عن حكمة مطلقة لا يتطرق إليها خلل.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
اليقين المطلق بمحكمات القرآن: أن يمتلئ قلب المسلم ثقة واعتزازاً بكتاب ربه؛ فلا يتزعزع أمام الشبهات والأفكار الوافدة، موقناً أن القرآن هو الحق المعصوم وما سواه ظنون وأوهام.
مراقبة الخبير البصير: استشعار أن الله مطلع على خفايا النفوس وبواطن القلوب، فيوجب ذلك على المؤمن صدق السريرة والاجتهاد في تصحيح النوايا.