أعظم آية في بيان حقيقة العبودية والافتقار الذاتي للخلائق، وبيان كمال الغنى الذاتي والمحمدة المطلقة لله تبارك وتعالى.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 463)جامع البيانالطبري٢٠/٤٦٣: «يقول تعالى ذكره: يا أيها الناس كلكم محتاجون إلى الله في بقائكم ورزقكم وأقواتكم وتدبير أموركم، لا غنى بكم عنه طرفة عين في شيء من أحوالكم، والله هو الغني عنكم وعن جميع خلقه؛ لا تنفعه طاعة من أطاعه، ولا تضره معصية من عصاه، الحميد المحمود عند خلقه بآلائه ونعمه وفضله عليهم في الدنيا والآخرة».
وقال ابن كثير: «يخبر تعالى بغنائه عما سواه، وبفقر الخلائق كلهم إليه في جميع حركاتهم وسكناتهم؛ فهم الفقراء إليه بالذات، وهو الغني عنهم بالذات».
أخرج مسلم في «صحيحه» (رقم 2577)مصدر غير محددحديث رقم ٢٥٧٧ من حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه، عن النبي ﷺ فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنه قال: «يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر...».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ}: نداء للبشرية قاطبة سبق إعرابه.
{أَنتُمُ}: ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وحرك بالضم للتخلص من التقاء الساكنين، والميم للجمع.
{الْفُقَرَاءُ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة. والفقير لغة: المكسور الفقار من شدة الحاجة، والمراد به هنا: المحتاج بالذات الذي لا قوام له ولا بقاء إلا بموجده. وتعريف «الفقراء» بـ «أل» يفيد استغراق جنس الفقر وحصر معناه فيهم؛ أي أنتم الكاملون في الافتقار والحاجة التامة.
{إِلَى اللَّهِ}: جار ومجرور متعلق بـ {الْفُقَرَاءُ} لبيان جهة الافتقار الحصرية.
{وَاللَّهُ}: الواو استئنافية، اسم الجلالة مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
{هُوَ}: ضمير فصل لا محل له من الإعراب، أو ضمير منفصل في محل رفع مبتدأ ثانٍ.
{الْغَنِيُّ}: خبر أول للمبتدأ (أو خبر المبتدأ الثاني والجملة خبر الأول) مرفوع بالضمة. والغني: الذي لا يحتاج إلى شيء بوجه من الوجوه لكمال ذاته وصفاته.
{الْحَمِيدُ}: خبر ثانٍ مرفوع بالضمة الظاهرة، فعيل بمعنى محمود؛ المستحق للحمد المطلق في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، حمدَه خلقه أو لم يحمدوه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
بعد أن بيّن الله تعالى في الآيات السابقة عجز المعبودات الباطلة وعدم ملكها للقطمير وعجزها عن السمع والاستجابة، جاءت هذه الآية لتقرر الحقيقة الوجودية الكبرى التي تبطل الشرك من أصله؛ وهي أن جنس الإنسان والمخلوقات قاطبة مفطورون على الفقر والحاجة التامة، وأن الإله الحق هو المستغني بذاته عن كل ما سواه.
تقابل بديع وحصر مزدوج: قصر الفقر على الناس والخلائق: {أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ}، وقصر الغنى المطلق والحمد على الله سبحانه: {وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة توهم استغناء الأغنياء والملوك بأموالهم وقواهم: يرى ضعاف البصائر أن أصحاب الثروات والجيوش مستغنون لا يحتاجون إلى أحد.
رد الشبهة بالمحاكمة الوجودية والأنطولوجية: أوضح أئمة التحقيق (كابن القيم في مدارج السالكين) أن الفقر المذكور هنا هو «فقر ذاتي وجودي اضطراري» لا ينفك عن أي مخلوق؛ فالغني بالمال فقير في وجوده، وفي تنفسه، وفي نبضات قلبه، وفي صحة بدنه، وفي دفع الهلاك عنه إلى خالقه في كل طرفة عين، ولو حبس الله عنه قطرة ماء أو نَفَساً واحداً لهلك، فغنى المخلوق بالمال غنى عارضي وهمي مستفاد من الله، أما الفقر فهو صفة ملازمة لذاته لا تزول عنه أبداً، والغنى الذاتي المطلق لا يكون إلا لله الواحد القهار.
تعريف الجزأين (المبتدأ والخبر) في الطرفين: {أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ} و{اللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ}، مع توسط ضمير الفصل {هُوَ}؛ لإفادة الحصر والقصر القطعي؛ فكأن الفقر قد حصر في جنس البشر، والغنى قد حصر في ذات الله العلية.
الطباق التام بين {الْفُقَرَاءُ} و{الْغَنِيُّ}: لإبراز البون الشاسع بين حقيقة الربوبية وحقيقة العبودية.
اقتران {الْغَنِيُّ} بـ {الْحَمِيدُ}: جمع بين كمالين؛ فالغنى المجرد قد يقترن في البشر بالبخل أو الكبر أو الظلم، أما غنى الله تعالى فهو غنى مقرون بالحمد والجود والعطاء والإحسان، فهو غني حميد في غنائه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحقيق مقام الانكسار والافتقار إلى الله: زبدة العبودية وأشرف منازل السائرين هي «الافتقار الصادق إلى الله»؛ فكلما ازداد العبد شهوداً لفقره الذاتي وعجزه وجهله، ازداد قرباً من ربه وخضوعاً لجلاله، ونال من عزته وغناه.
قطع الكبر والتعالي على الخلق: تذكر هذا الأصل يكسر في نفس الإنسان شوكة الكبر والغرور؛ فمهما بلغ من العلم أو السلطان فهو في ميزان الحقيقة «فقير إلى الله»، لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً.