ضرب مثل بديع يقارن بين أهل الضلال وأهل الهدى، مبيناً التفاوت الفطري والعقلي الجذري بين الفريقين.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 469)جامع البيانالطبري٢٠/٤٦٩: «يقول تعالى ذكره: وما يعتدل ويتساوى الأعمى الذي لا يبصر شيئاً، والبصير الذي يرى الأشياء على حقائقها؛ وهذا مثل ضربه الله تعالى للكافر والمؤمن؛ فالكافر كالأعمى عن آيات الله وحججه، والمؤمن كالبصير الذي يبصر الحق ويهتدي به، فكما لا يستوي هذان في عقولكم، فكذلك لا يتساوى الكافر والمؤمن عند الله».
وقال قتادة والسدي: «الأعمى الكافر، والبصير المؤمن».
وقال ابن كثير: «يقول تعالى: كما لا تستوي هذه الأشياء المتباينة المختلفة؛ الأعمى والبصير لا يستويان، بل بينهما بون عظيم وتفاوت كبير، فكذلك لا يستوي المؤمنون والكافرون».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَمَا}: الواو استئنافية، «ما» نافية لا عمل لها.
{يَسْتَوِي}: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الياء للثقل، والاستواء هو التساوي والتماثل.
{الْأَعْمَىٰ}: فاعل مرفوع بضمة مقدرة على الألف للتعذر، و«أل» للجنس. والأعمى فاقد البصر حساً أو فاقد بصيرة القلب معنى.
{وَالْبَصِيرُ}: معطوف على «الأعمى» مرفوع بالضمة الظاهرة، وهو ذو البصر النافذ الحاد.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
بعد أن بين في الآية السابقة أن الإنذار لا ينتفع به إلا أهل الخشية والصلاة، وأن التزكي لنفس المتزكي، جاءت هذه الآية ومشفوعاتها من الآيات التالية لتقرر حقيقة التمايز بين الفريقين بأربعة أمثال كونية متقابلة حسية:
الأعمى والبصير (الذات والصفة الإدراكية).
الظلمات والنور (البيئة الفكرية والعقدية).
الظل والحرور (الأثر والراحة والجزاء).
الأحياء والأموات (الحقيقة الوجودية والفاعلية).
افتتاح المقارنة بالأعمى والبصير؛ لأن حاسة البصر والبصيرة هي آلة استقبال دلائل الهدى والنظر في الآفاق والأنفس.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التسوية بين الأديان والعقائد تحت دعاوى الإنسانية المجردة: يزعم دعاة النسبية المعاصرة ودعاة التعددية الدينية المطلقة أن سائر المعتقدات متساوية في القيمة، وأنه لا فرق بين موحد ومشرك.
رد الشبهة بالمحاكمة القرآنية الصارمة: نسف القرآن دعوى المساواة هذه من أساسها العقلي والوجداني؛ فكما يمتنع في بديهة كل عاقل على وجه الأرض أن يسوي بين فاقد البصر المتخبط في الظلام وبين سليم البصر المهتدي إلى طريقه، فكذلك يستحيل عقلاً وشرعاً وعدلاً أن يسوى بين من وحّد ربه وأطاع رسله ومن كفر بالخالق وعبد الأوثان: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}.
التشبيه البليغ أو الاستعارة المصرحة: حيث استعار للأعمى صفة الكافر، وللبصير صفة المؤمن، وحذف المشبه وأبقى المشبه به لقوة الشبه وظهوره.
تقديم {الْأَعْمَىٰ} على {الْبَصِيرُ}: لأن السياق سياق إنكار على المكذبين المعاندين وبيان عماهم، ولأن العمى هو الأصل في الجهل قبل تنزيل أنوار النبوة.
النفي المطلق بـ {مَا يَسْتَوِي}: لإفادة التباين الجذري الممتنع عن أي تقارب أو مماثلة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
شكر نعمة البصيرة الإيمانية: أن يحمد المسلم ربه آناء الليل وأطراف النهار أن رزقه نعمة الإيمان والبصيرة، وأن يرحم أهل الغفلة والضلال فيجتهد في دعوتهم وهدايتهم كمن يأخذ بيد أعمى يوشك أن يتردى في هوة سحيقة.
الحذر من عمى القلوب: إدراك أن العمى الحقيقي ليس عمى الأبصار الزائل، بل عمى القلب عن رؤية آيات الله: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}.