تسبيحة الختام وفرحة النجاة الكبرى في الجنة؛ حيث يلهج أهل الجنة بحمد الله الذي أزال عنهم كل هم وغم وخوف ونصب كان يعتريهم في الدنيا وفي عرصات القيامة، مقرين بفضله ومغفرته وشكره.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 495)جامع البيانالطبري٢٠/٤٩٥: «يقول تعالى ذكره: وقال هؤلاء المؤمنون الذين دخلوا الجنات: الحمد لله الذي أذهب عنا كل حزن وخوف من عقابه وعذابه، وأذهب عنا هموم الدنيا وأحزانها، وغموم عرصات القيامة وأهوالها؛ إن ربنا لغفور لذنوبنا التي خفنا عقابها، شكور لأعمالنا الصالحة بما أثابنا عليها من النعيم المقيم ودار الكرامة».
واختلف السلف في «الحزن» الذي أذهبه الله عنهم على أقوال متكاملة:
قال ابن عباس وقتادة: «حزن النار وعذاب جهنم وما كانوا يشفقون منه».
وقال شمر بن عطية وسعيد بن جبير: «همّ الرزق ومكابدة المعاش والسعي في الدنيا والفقر».
وقال عكرمة: «حزن الذنوب ومخافة التقصير في حق الله».
وقال الكلبي: «حزن الموت وسكراته، ومسألة القبر وضغطته، وهول المطلع وموقف الحساب».
وقوله: {إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ}: قال قتادة: «غفر لهم العظيم من ذنوبهم، وشكر لهم اليسير من طاعتهم وأعمالهم فأدخلهم الجنة بفضله».
روى ابن أبي حاتم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: «ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم ولا منشرهم، كأني أنظر إليهم عند الصيحة ينفضون التراب عن رؤوسهم يقولون: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ}».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَقَالُوا}: الواو عاطفة، «قالوا» فعل ماض مبني على الضم والواو فاعل.
{الْحَمْدُ}: مبتدأ مرفوع بالضمة، وأل لاستغراق جميع المحامد.
{لِلَّهِ}: اللام للاستحقاق، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة مقول القول في محل نصب.
{الَّذِي}: اسم موصول مبني في محل جر نعت أو بدل من اسم الجلالة.
{أَذْهَبَ}: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل مستتر تقديره هو، والإذهاب: الإزالة التامة والدفع الكلي للأثر.
{عَنَّا}: متعلق بـ {أَذْهَبَ}.
{الْحَزَنَ}: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة. وقرأ الجمهور بفتح الحاء والزاي {الْحَزَنَ} وهو الاسم، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر بضم الحاء وسكون الزاي «الحُزْنَ» وهو المصدر، والمعنى واحد. والحزن: الغم المقيم الذي يكدر صفو العيش ويضيق به الصدر مما مضى أو مما يُتوقع وقوعه من المكاره.
{إِنَّ}: حرف توكيد ونصب.
{رَبَّنَا}: اسم «إن» منصوب بالفتحة، و«نا» مضاف إليه.
{لَغَفُورٌ}: اللام المزحلقة للتوكيد، «غفور» خبر أول مرفوع بالضمة.
{شَكُورٌ}: خبر ثانٍ مرفوع بالضمة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا القول هو أول ما ينطق به أهل الجنة بعد استقرارهم في جنات عدن؛ فناسب النظم أن يعقب ذكر الحلي والأساور واللباس الحريري بذكر النشوة الروحية والنفسية العظمى، وهي «راحة البال وزوال الأحزان».
التناسب البديع مع مطلع السورة وخواتيم المقاطع؛ فقد بدأت السورة بالحمد: {الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}، وجاء مشهد الفوز في الجنة مكللاً بالحمد: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ}، وتكررت صفتي {لَغَفُورٌ شَكُورٌ} للتأكيد على أن تمام النعمة كان بجناحي مغفرة الذنوب ومضاعفة الأجور من الشكور.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة بقاء مشاعر الحزن في النفوس البشرية: يقرر علماء النفس أن الحياة الإنسانية لا تنفك بطبيعتها عن القلق والحزن على ما فات والخوف مما يأتي.
رد الإشكال بالتحقيق القرآني لطبيعة الدار الآخرة: أثبتت الآية الفارق الجوهري بين دار الدنيا ودار الجنة؛ فالدنيا دار أكدار ومكابدة وأحزان جُبلت على النقص، بينما الجنة هي الدار الوحيدة في الوجود الخالية بالكلية من أي نوع من أنواع الحزن؛ فلا حزن على فوات محبوب، ولا خوف من انقطاع نعيم، ولا قلق من مرض أو موت أو شيخوخة، فالألف واللام في {الْحَزَنَ} لاستغراق الجنس، مما يعني اجتثاث كل أسباب الكدر من النفوس لتستقر في النعيم المطلق.
تعريف {الْحَزَنَ} بـ «أل» الاستغراقية: لإفادة استيعاب الإذهاب التام لكل أنواع الأحزان والهموم الدنيوية والبرزخية والأخروية.
التعدية بالهمزة في {أَذْهَبَ}: لإفادة الإزالة الحاسمة التي لا رجعة بعدها، كأن الحزن قد تضاءل وتلاشى أمام فيض الرضوان.
الاعتراف بالفضل في التذييل {إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ}: أدب رفيع من أهل الجنة؛ فلم ينسبوا النجاة وزوال الحزن إلى شجاعتهم ولا أعمالهم، بل أرجعوا الفضل كله إلى غفران ربهم وشكره.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
سلوة المحزونين والمكروبين في الدنيا: هذه الآية أعظم بلسم ومواسٍ لكل مسلم يعاني في دنياه من فقر أو مرض أو فقد حبيب أو ظلم ظالم؛ فليعلم أن دار الأحزان دار مؤقتة زائلة، وأن موعده مع الفرح الأبدي الذي لا حزن بعده أبداً في جنات النعيم حين ينادي: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ}.
دوام التعلق بمغفرة الله وشكره: أن يلهج لسان المؤمن في كل أحواله بالحمد والاستغفار؛ موقناً أنه يتعامل مع رب غفور للسيئات، شكور للطاعات، واسع الإحسان والفضل.